عرض مشاركة واحدة
 
 

قديم 05-18-2007, 06:10 PM   رقم المشاركة : 13 (permalink)


معلومات إضافية




قراءة في وجوه شاحبة





تمر علينا في هذه الحياة وجوه شاحبة وأيادٍ مرتجفة وعيونٌ متلهفة...تنظر يمنة ويسرة ...تبحث عن المجهول..وأصوات ليس لها صدى..وقلوب منفطرة قد يئست من الحياة...

ولأن هذه الوجوه قد أعياها المسير وأضناها انتظار الأمل البعيد...وأصبحت في لحظة من لحظات الزمن كأرض جدباء أبت الأمطار أن ترويها...فماتت نظارتها وتشقق وجهها شوقاً إلى ذلك المطر البعيد.....

تلك الوجوه نراها دائما...نراها في المدرسة في الشارع في الجامعة في المسجد في المناسبات والأعياد والزيارات....نراها في كل مكان...قد ترتدي هذه الوجوه أحياناً أقنعة لامعة مزركشة ولكن تلك الأقنعة تفضحها العيون والنبرات والآهات...

من أجل ذلك ومن أجل أن من حق هذه الوجوه الوقوف بجانبها ومساندتها ونقل صوتها إلى العالم قبل أن تجف الدماء التي تجري في الوريد..وقبل أن تجف الدموع التي تنحدر من المقل...من أجل ذلك وأكثر ...آثرت أن أستقطع من وقتي جزءً...وأقرأ هذه الوجوه قراءة صامتة معبرة...

لعل الهم ينساها....
لعل شمساً تشرق عليها من جديد..
لعل الأزهار تتفتح بعد طول مغيب..
لعل العصافير تعزف ألحان الفرح المديد...


فهذه مجموعة من الوجوه الشاحبة الباردة البائسة.. اختلفت أعمارها واختلفت ألوانها...واختلفت تفاصيل حياتها...ولكنها اشتركت في ألم يعتصرها وهم يقتلها وغم يحاصرها...





فهيا نقرأ سوياً في هذه الوجوه الشاحبة....

الوجه الأول:




آه ....كم أنا متلهفة ...كم أنا مستعجلة...كم أنا مشتاقة لكِ ...يا سارة...
اليوم نزلت إلى السوق لأشتري لكِ أجمل هدية بمناسبة قرب زفافكِ...
آه لم يبقى سوى شهران...احترت ماذا أشتري ولم أعرف أي هدية تليق بصديقة العمر والأيام الجميلة.....

الأزهار والعطور والمجوهرات كلها تخجل ويقل جمالها ورونقها عندما توضع بين يديكِ الرقيقتان وعندما يشرق عليها وجهك الوضاء الجميل...فقد حباك الله جمالاً ورقة وأنوثة وقلبا معطاءً ولساناً عذباً....

آه يا صديقتي...مر الوقت سريعاً وأنا في السوق ولم أجد ما يليق بكِ...وعندما رن هاتفي وسمعت نغمته علمت أن المتصل هو أنتِ....وقفت ُ مكاني ورددت على الهاتف...فإذا بصوتك المبحوح يسري إلى قلبي....ويهزني عندما قلتي....أحضري حالاً ..أحتاج إليكِ....

لحظتها لم أستطع التفكير أو حتى التخيل...ماذا جرى؟؟ ....بل انطلقت مسرعة إلى منزلكم...وعندما فتحتي لي الباب....وجدت وجهك شاحبا وكأن غمامة سوداء تظلله....وعيناكَ تفتقد ذلك البريق الذي ينم عن السعادة والسرور..

آه ...لقد بدأ قلبي يخفق بسرعة...ويسمع خفقات قلبك...وهنا بادرتك بالسؤال...مستجمعة قواي....ماذا دهاكِ يا صديقتي...

هل جرى مكروه لكِ؟ أو لأهلك؟؟أو لخطيبك؟؟؟
لا ...لا... لا
إذاً ماذا جرى...هيا أجيبي...لقد أخذ الخوف مني كل مأخذ...فماذا بكِ؟؟؟
وهنا جاءني جوابك كالصاعقة ...والألم يعصف بك من كل جانب..


لقد حضر ماجد يوم أمس ...وقابل والدي وطلب منه أمراً غريباً...
ماذا طلب هيا أسرعي..

لقد طلب منه أن .....أن يخطب له حنان...وأن موعد زفافه لن يتغير...بل ستتغير العروسة...وقدم تنازلاٍ عني.....

آه ماذا تقولين يا سارة؟؟
أليس ماجد...هو خطيبك من أربع سنين...أليس هو من بذل كل رخيص وغالي كي توافقوا على طلبه عندما خطبك...أليس هو من قال أن الدنيا لا تسعه فرحة وسرورا بأنك خطيبته...
أليس كل هذه الهدايا التي تملأ زوايا غرفتك هي منه...أليس كل هذه الرسائل التي تزدحم بها ملفاتك هي منه..أليس هو من كانت أكبر أمنياته أن يكون والديه على قيد الحياة كي يفرحوا بيوم زواجه.......أليس هو من قال أن الدنيا ليس بها شيء يستحق التضحية سواكِ..وأن ليس للحياة معناً إن لم تكوني بها وأن الشمس إن لم تشرق على أرض تطأها قدامك فهي لم تشرق بل هي في مغيب...

آه يا صديقتي اعذريني...ولكني عشتِ معكِ أيام فرحك يوماً بيوم والكل يتهامس أن ليس هناك قلوباً صادقة في حبها عفيفة في ودها ..كقلوبكما..

أو ليس قد أثث منزله وفرشه بالألوان التي تحبينها...أرجوكِ ....اختصري علي كل هذه التساؤلات وأجيبيني.........

ماذا دهــــــــــــــــــاه؟؟؟!!!

وهنا تنهدت سارة وأخرجت آهة من صدرها ورأيت يدها تتصبب عرقاً ودمعة تحدرت من عينيها...سالت بعدها الدموع شلالاً..وشعرت أن كل الكلمات لا تسعفها ولا تجتمع ..كي تكون جملة ذات مغزى ومعنى...

صديقتي سارة...تحدثي ...تكلمي..لا تتركي قلبي يتمزق ...لقد أخذت بي الظنون كل مأخذ...هل أدعو عليه..أم أدعو على حنان...ومن حنان هذه...هيا أخبريني...

حسناً ...يا تواقة...سأخبرك بما جرى وكان....

أنتي تعلمين أن أخيه الوحيد توفي في حادث مروري قبل عام...وترك خلفه أربعة أطفال صغار...وأن أخاه قبل موته أمنه على أولاده...

نعم أعلم..ويعلم الجميع ذلك ..وهو يرسل لهم المصروف كل شهر عن طريق جدهم لأمهم الذي يعيشون معه...فماذا جرى يا سارة...

ما بالك يا تواقة تقاطعينني...دعيني أكمل الحديث...لأني إلى الآن لم أستوعب ما يحدث..وأظن أكبر الظن أني أحلم ولست في يقظة...
آه يا تواقة ...لقد ذهب في الأسبوع الماضي لزيارة أبناء أخيه..فرأهم في حالة يرثى لها..وعلم أن جدهم كان قاسياً وبخيلاً عليهم وأنهم يعيشون حياة صعبة..ورآهم يذهبون للبقالة ويشترون الأرز والسكر والزيت وأنهم يحملونها على ظهورهم..لأن لا أحد يساعدهم..وعلم أن ليس لهم في الدنيا معين بعد وفاة والدهم...ورأى ضعفهم وبؤسهم وقلة حيلتهم وصغر عمرهم...

فتذكر أخوه وما فعل من أجله ومن أجل تربيته وتعليمه ومن أجل ألا يرى يوماً في عينه الذل والانكسار وألم اليتم ...وفي غمرة تفكيره ...تشبث به أولاد أخيه...وعاتبوه...أين أنت يا عمنا منا لم تركت الحياة والناس يقسون علينا وأنت فيها..لما رضيت لنا كل هذا الذل والفقر والألم بعد وفاة والدنا ...

هنا خبأ وجهه بشماغه وخرج مسرعا ً من المنزل والدموع تنهمر من عينيه..والعبرة تخنقه فلا يكاد يتنفس...وركب سيارته وتذكر طفولته وعلم أن اليتم شعور لا يعرفه إلا من جربه...

وبعدها بأيام ..حضر إلى والدي الذي هو عمه وطلب منه أن يخطب له أرملة أخيه حنان والتي تكبره بعشر سنيين وأنه سيتزوجها من أجل أبناء أخيه الذي نذر نفسه أن يكون لهم الأب الحنون...والصدر الرحيب..


وأنه لا يريد ظلمي بحياته الجديدة...( ولا أعلم هل ظلم نفسه أم ظلمني أم فعل ما فيه الصواب) وقال..إنني سأبقى أجمل شيء في حياته وهو يتمنى لي السعادة وطلب مني ألا أذرف دمعة واحدة عليه...

آه يا سارة...لقد فجعتني بما جرى...فماذا يجول في خاطرك الآن...

آه ...يا تواقة...لقد اتخذت قراراً صعبا...ولكن لا بد من اتخاذه...فسألبس أجمل الملابس وسأحضر حفل زفافه ..وسأرتدي قناعاً يخبئ وجههي الشاحب..ولكن سؤال سيظل يتردد بين جوانبي: كيف ستحيا يا ماجد وقلبك معي وكيف سأحيا وقلبي معك؟؟

وسأثبت للعالم كله أنني أقوى مما يتصورون أو يظنون ...وسأثبت للجميع أن الحياة لا بد أن تستمر
وأن نحياها حتى لو كانت وجوهنا شاحبة وأرواحنا بالية وذكرياتنا مؤلمة..
وحتى لو ماتت السعادة في أحضان خبر مؤلم...






إذا كان لديكم تعليق أو ملاحظة أو استفسار...فيسرني استقبالها على الرسائل الخاصة...................

أختكم في الله/ تواقـــــــــــــــ الجنــــة ــــــــــــة




اعداد / تواقة الجنه

 

 














التوقيع



مطبخ منال الرمضاني زيارتكم شرف لي
http://www.al-manal.com/sectionn-286.html








تفضلي بزيارة مطبخ المنال الثقافي اضغطي على الصوره وتمتعي بفنون الطهي