فصل : أسباب ارتقاء الهمم : 1. العلم والبصيرة :
فالعلم يصعد بالهمة ، ويرفع طالبه عن حضيض التقليد ويصفّي النية ، والعلم يورث صاحبه الفقه بمراتب الأعمال ، فيتّقي فضول المباحات التي تشغله عن التعبد ، كفضول الأكل والنوم والكلام .
2. إرادة الآخرة وجعل الهموم هماً واحداً :
قال تعالى : (
ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (
من كانت همه الآخرة ، جمع الله شمله ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت همه الدنيا ، فرق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم تأته الدنيا إلا ما كتب الله له ) . 3. كثرة ذكر الموت :
لأنه يدفع إلى العمل للآخرة والتجافي عن دار الغرور ، ومحاسبة النفس وتجديد التوبة ، وإيقاظ العزم على الإستقامة ، قال الدقاق : (
ومن أكثر ذكر الموت أُكرم بثلاث تعجيل التوبة ، وقناعة القلب ، ونشاط العبادة ) ،
مازا
ل يلهج بالرحيل وذكره *** حتى أناخ ببابه الحمّال
فأصابه مستيقظاً متشمراً *** ذا أهبة لم تلهه الآمال
4.
المبادرة والمداومة في كل الظروف :
قال تعالى : (
يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) فكبير الهمة يبادر ويبادئ في أقسى الظروف حمايةً لهمته من أن تهمد ووقاية لها من أن تضمر .
5. الدعاء :
لأنه سنة الأنبياء وجالب كل خير ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (
أعجز الناس من عجز عن الدعاء ) وقال : (
إذا تمنى أحدكم فليكثر ، فإنما يسأل ربه ) ،
إذا لم يكن من الله عون للفتى *** فأول مايجني عليه اجتهاده
6. الاجتهاد في حصر الذهن :
وتركيز الفكر في معالي الأمور ، ولنا في ائمة السلف والخلف الأسوة في ذلك ، قال الحسن : ( نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل ) ،
وكان الخليل بن أحمد يخرج من منزله فلا يشعر إلا وهو في الصحراء ، فهو يعمل الشعر فلا يشعر بنفسه ،
ويقول وليم مارتن
( والعقل الإنساني يصبح أداة مدهشة الكفاءة إذا رُكز تركيزاً قوياً حاداً . . . وهذه القدرة تكتسب بالمران ، والمران يتطلب الصبر ، فالإنتقال من الشرود إلى حصر الذهن ثمرة جهد ملح ) 7. التحول عن البيئة المثبطة :
إن للبيئة المحيطة بالإنسان أثراً جسيماً لا يخفى ، فإذا كانت البيئة مثبطة داعية إلى الكسل والخمول وإيثار الدون ، فإن على المرء هجرها إلى حيث تعلو همته ، كي يتحرر من سلطانها وينعم بفرصة الترقي إلى المطالب العالية ، وأشد الناس حاجة إلى تجديد البيئة المحيطة وتنشيط الهمة ، حديث العهد بالتوبة ، فإن من شأن التحول من بيئة المعصية إلى بيئة الطاعة أن تنسيه صحبة السوء وأماكن السوء .
8. صحبة أولى الهمم العالية :
ومطالعة أخبارهم ، فالطيور على أشكالها تقع وكل قرين بالمقارن يقتدي ، وإن العبد ليستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم ، لأن رؤيتهم تذكر بالله عز وجل ،
وكان الإمام أحمد ( إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع أمر ، سأل عنه وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة ، وأحب أن يعرف أحواله ) ،
وإذا أردت أن تلمس أثر الصحبة الصالحة العالية الهمة في التسابق إلى الخيرات ، فتأمل
قول محمد بن علي السلمي رحمه الله :
( قمت ليلة سحراً لآخذ النوبة عن ابن الأخرم ، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئاً ، ولم تدركني النوبة إلى العصر ) ،
ويقول عمرر: (
ما أعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح ، فإذا رأى أحدكم وداً من أخيه فليتمسك به ) ،
ويقول أ.د.خلدون الأحدب :
( وإذا نظرنا إلى أولئك الذين استفادوا من لحظات أعمارهم ، وكان من نتاجهم ما يعجب ويدهش ، نجدهم لا يصحبون إلا المجدين العاملين والنابهين الأذكياء ، الذين يحرصون على أوقاتهم حرصهم على حياتهم لأن الزمن هو الحياة ) .
9. نصيحة المخلصين :
وقد يكون هذا الناصح الأمين أباً شفيقاً ، أو أماً رحيمة ،
كقول أسماء ذات النطاقين توصي ابنها عبدالله بن الزبير
: ( يابني إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح ، امضِ واستعن بالله ) ،
وقد تكون زوجة وقد يكون رجلاً من العوام ،
كالأعرابي حين قال للإمام أحمد : ( ياهذا ما عليك أن تقتل هنا وتدخل الجنة )
فقال الإمام أحمد : ( ما سمعت كلمة أقوى لي من كلمة الأعرابي ) .
[fot1]* ملخصاً من كتاب علو الهمة للشيخ محمد اسماعيل المقدّم حفظه الله[/fot1]
منقول لانه يحكي واقعا