عرض مشاركة واحدة
     
  مشاركة رقم : 3 (permalink)  
قديم 11-19-2005, 09:57 AM
مقالات المدونة: 13
منال
الصورة الرمزية منال


رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jun 2005
الدولة : في قلب من احبني
المشاركات : 13,517
بمعدل : 10.33 يوميا
لمرورك حضور الأميرات رقيا وتألقا .. تشرفت بمتابعتك الندية

كاتبة الموضوع : امنه النادي : نادي القصـــــة


رواية بنات الرياض والأكمة

مها فهد الحجيلان*
صدرت مؤخرا عن دار الساقي رواية "بنات الرياض" للكاتبة السعودية الشابة رجاء الصانع؛ وتعد الرواية عملا فنيا يحاول الكشف عن المسكوت عنه في المجتمع من خلال تصوير أربع فتيات لهن شبكة علاقات متنوعة قد لا تتفق مع السمات العامة التي يسير عليها المجتمع. لقد نجحت الكاتبة في عرض نماذج مختلفة من الحياة التي يمارسها البعض بشكل خفيّ في حين يُظهر خلاف ذلك في نفاق حقيقي مع المجتمع. وقد أخذت هذه الرواية وكاتبتها تغطية إعلامية مناسبة وربما ساعد على ذلك تزكية الدكتور غازي القصيبي لها وأيضا بسبب طبيعة العمل الذي يساعدنا على رؤية أنفسنا ومجتمعنا من خلال تقديم بعض التناقضات التي تعصف بالمجتمع والمفارقات الساخرة في سلوك شخصيات الرواية.
لقد لقيت الرواية احتفالا وقبولا لدى بعض الناس كما لقيت استقبالا سلبيا لدى آخرين بعضهم لم يقرأها واكتفى بالسماع عنها وبنى حكمه السلبي على هذا السماع. وهذه مشكلة علمية يعاني منها كثيرون خصوصا إن كان الشخص الذي سمعوا منه يمثل مصدر ثقة. وعلى أي حال من الطبيعي أن تتباين الأذواق في استقبال أي عمل أدبي لكن من غير الطبيعي أن تصدر أحكام قطعية على موضوع متّصل بالذوق والتخيل. ومن الذين لم ترقهم الرواية الدكتور عبدالرحمن العشماوي الذي كتب في صحيفة الجزيرة بتاريخ 29 أكتوبر 2005 مقالة بعنوان "بنات الرياض" تهجم فيها على الكاتبة واتّهمها بالانحراف.
بدأ الكاتب مقالته باستجرار المثل العربي المشهور "إنّ وراء الأكمة ما وراءها" في تلميح إلى أخلاقيات الرواية وصاحبتها حينما ذكر أنّه حينما قرأ لإحدى الكاتبات ربطها بين رواية "بنات الرياض" ورواية "صباح الخير أيها الحزن" اعتبر أنّ رواية بنات الرياض هي الأكمة وأن ثمّة أمرا مُريبا وراءها. ونحن نفهم الإشارة التي يريد إيصالها من خلال الربط بين الرواية وبين المثل العربي إذا علمنا دلالة مضرب ذلك المثل. ولكن الملاحظ أن الكاتب لم يستطع أن ينظر إلى العمل ويصفه بطريقة مستقلة عن أنموذج سابق، فقد استعان بالمثل المجلوب من محفوظاته لكي يبين لنا أمرين؛ أولهما حاجته إلى استعراض ما تخزنه ذاكرته من محفوظات، والأمر الآخر عدم قدرته على رؤية الأمور الجديدة إلا من خلال أيقونات قارّة في ذاكرته من قبل؛ وإذا استعصت على فهمه أمور جديدة ولم يجد لها مقابلا في ذاكرته فليس أمامه سوى حشرها في أي نمط سابق أو رفضها كلية. ومن هنا جاءت رؤيته لرواية "بنات الرياض" منطلقة من التعامل مع الأشياء وفق تصورات ذهنية محددة ذات وجود سابق. وهذه من أبرز سمات الفكر الشفهي التقليدي الذي يحاول اختصار المعطيات مهما تعددت في كيانات قليلة تخزنها الذاكرة على صورة بنيات أيقونية محددة.
كما حفلت المقالة بعبارات وعظية مباشرة تبين النظرة السلطوية لدى الكاتب باعتباره واعظا أخلاقيا يرى في متلقي موعظته درجة أدنى في الأخلاق والسلوك. ولن نتوقف كثيرا عند الجانب الوعظي في مقالة موضوعها الأدب الخيالي سوى الإشارة إلى أن احتفال الكاتب بالوعظ والتلقين يبرهن لنا عن السمات الشفهية الموجودة في المقالة.
ولعله من المفيد الإشارة إلى أن تسمية زاوية الكاتب باسم "دفق قلم" تكشف لنا بعضا من السمات التي اختارت هذه التسمية على افتراض أن الكاتب هو نفسه الذي اختارها لأنه يكررها في موقع يشرف عليه في النت أو أنه رضي بها وتبنّاها فيما لو أنها كانت اقتراحا من غيره. ويبدو أن الكاتب حينما اختار "دفق قلم" كان يعتقد بأن تدفق القلم تعني سيولته وسهولة جريانه التي تشير -حسب تصوره- إلى غزارة الإنتاج ويسره تشبها بتدفق الماء. وهذا مفهوم تقليدي للكتابة الشفهية التي تُعلي من قيمة "كثرة" الكتابة/الكلام واحتفاله بصيغ بلاغية ولغوية معينة. ولا شك أن تلك الكتابة التي يُظنّ أنها سيّالة ومتدفقة إنّما هي كتابة ذات سمات شفهية تستند على ما تحفظه الذاكرة من صيغ جاهزة وتردده في قوالب معينة من خلال استجرار المقولات وما يرتبط بها من مواقف لمواجهة ما يستجد من معطيات. وعند فحص كلام الكاتب في مقالته نلاحظ أنه استند على بنيات ثابتة في ذاكرته، كوصمه للعمل بأنه "خطيئة أدبية" وهو حكم أخلاقي يصعب عليه تسويغه علميا. ولأن الفكر الشفهي لا يستند إلى الانضباط العلمي في أحكامه فقد جاء هذا الحكم دون حيثيّات أو تبرير يستند على أدلة منطقية تجعلنا نشارك الكاتب في تحليله للعمل. تجدر الإشارة إلى أن الفكر الشفهي السائد بين عوام الناس لا يولي الكتابة العلمية الدقيقة اهتماما ولا يفكر أصحابه فيما يكتبون أو يقولون تفكيرا منطقيا بسبب انشغالهم في الحرص على تحقيق شرط الصيغ الشكلية في كلامهم أو كتابتهم.
ومما يمكن التذكير به أن العشماوي أكاديمي متخصص في الأدب العربي وهو شاعر ومشرف على موقع معني بالأدب. إن القارئ لمقالته السابقة يكاد يصدم حينما يكتشف أنها تُخلّ بأبسط الشروط العلمية. يقول الكاتب في مقالته عن رواية بنات الرياض: "لو أنَّ كُلَّ فتاةٍ تعلَّمت في مدارسنا وجامعاتنا حاولت أن تكتب ما قد تقع فيه من الأخطاء في عمل روائي أو قصصي، ونشرته للناس، لتحوَّل مجتمعنا إلى مجتمع لا قيم فيه ولا أخلاق." إنه يفترض أن العمل الأدبي هو تاريخ حرفي للواقع، وهذا فهم غريب. فمن المعلوم أن الرواية عمل تخييلي يحاول محاكاة الواقع أو تصويره لكنها لا يمكن أن تكون هي الواقع المعاش. إنه من البديهي أن كل من يشاهد فيلما أو يحضر مسرحية يعلم منذ أن يبدأ المشهد أنه أمام عمل تخييلي ورغم أنه يتفاعل مع العمل ويشارك شخصياته انفعالاتها وعواطفها إلا أنه يعلم علم اليقين أن بطل الفيلم أو المسرحية مثلا لم يقتل حقيقة أو لم يتزوج حقيقة أو لم يحصل له في الحقيقة ما حصل له في المسرحية أو الفيلم. كما يشير قول العشماوي السابق إلى أن رفعة المجتمع أو انحطاطه الأخلاقي مرهون بما يكتب عنه من أعمال روائية أو قصصية لأنه ربط الكتابة عن سلبيات المجتمع بنتيجة أن ذلك المجتمع يصبح مجتمعا لا قيم له ولا أخلاق! إن الإيمان بمثل هذه الأفكار غير الصحيحة عن طبيعة العمل الأدبي وعلاقته بالواقع يعد أمرا يصعب قبوله وبخاصة من أكاديمي متخصص في الأدب!
ويقول كذلك: "أين بناتُ الرياض الواعياتُ المُعلِّماتُ، المثقفاتُ، المحتشماتُ، المصلياتُ، الصائماتُ، التائباتُ إلى ربهنَّ إذا أخطأن؟؟ لا وجود لهنَّ في رواية (بنات الرياض). لماذا؟ وكيف حدث هذا؟ في مدينة المآذن الشامخة، والمساجد المضيئة، والجامعات العريقة، ومراكز الدعوة والإرشاد، ومعاهد العلوم المختلفة، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم التي يلتحق بها الآلاف من (بنات الرياض) كُلَّ عام." إنه يرى أن العمل الأدبي يجب عليه تصوير الجوانب الإيجابية فقط. وهذه مشكلة علمية أخرى تبين لنا أن هناك بعدا عن معرفة عمل الرواية التي تصور جزءا من الحياة وتحاول التركيز على ذلك الجزء بوصف الرواية أو القصة مرآة تحاول أن تعكس ما تراه دون أن تتدخل في تزييفه أو وضعه في صورة لم يكن عليها. إن مهمة القاص أو الروائي ليست تصوير معطيات معينة -تُعتبر جميلة- فحسب لإرضاء البعض وإلا لتحول العمل إلى دعاية لا صلة لها بالفن.
إن الروائي أو القاص يحاول أن يكون واقعيا؛ والواقعية هنا ليست هي الواقعية الحرفية أو التاريخية (أي ما حصل فعلا) ولكنها الواقعية الخيالية التي تجعلنا نرى الأحداث و(كأنّها) حصلت؛ أي إن لها قابلية الحدوث على الواقع حينما تراعي شروط هذا الواقع الخيالي. إن تلفيق الأحداث واغتصابها لكي تسير وفق نهاية أو نمط مرسوم سلفا -كالطريقة التي تحفل بها روايات بعض المؤدلجين- لن تقدم لنا عملا أدبيا بقدر ما تقدم موعظة أخلاقية أو عريضة سياسيّة أو غير ذلك من الشعارات لكنّها تفشل بكل تأكيد في إرضاء المتلقي فنيا.
كما يقول في مقالته: "هل يصح أنْ يُطلقَ عنوان (بنات الرياض) على كِتاباتٍ شخصية لفتاة تتحدَّث عن أربع فتيات تركن الرياض إلى باريس ولندن وغيرها من مدن الغرب؟" وهذا فهم غريب للربط بين العنوان وبين دلالته؛ ففي البلاغة العربية هناك ما يعرف بإطلاق الكل وإرادة الجزء؛ والأمثلة على هذا الاستخدام كثيرة في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف وفي كلام العرب؛ كما يقال "سكنت الرياض" إذ لا يُفهم من ذلك أن الشخص سكن الرياض كلها ولكنه سكن جزءا منها. وفي القرآن الكريم قوله تعالى: "واضربوا منهم كلّ بنان" وبحسب كتب التفسير فالمراد ضرب الأيدي بما فيها البنان والرسغ والمعصم، ولمّا كان البنان جزءا منها عبر به للدلالة على الكل. من هنا فإن عنوان "بنات الرياض" لا يمكن أن يُفهم منه أنه يتكلم عن "كل" بنات الرياض ولكنه يتحدث عن جزء منهن، كما يُفهم ذلك في كلامنا عن ضيوف من مدينة الرياض أن نقول عنهم "سافر أهل الرياض" أو "سافرت بنات الرياض" ونحن نقصد عددا قليلا وليس كل أهل الرياض. أوردت هذا التوضيح الذي لا يخفى على القارئ لأن هناك أصواتا أخرى غير العشماوي ظهرت في الإنترنت تطالب بمحاكمة الكاتبة للاعتقاد بأنّها عمّمت حكمها على بنات الرياض من خلال العنوان.
ينبغي التأكيد على أن لكل شخص الحق في تلقي الرواية على اعتبار أنها عمل فني خالص بالكيفية التي تناسبه وليس من حق أحد أن يفرض رأيه ومزاجه الفني على الآخرين. ومن الطبيعي أن تكون هناك مستويات مختلفة في التلقي ونحن بحاجة إلى تقبّل تلك الاختلافات برحابة صدر؛ ولم يكن رأي العشماوي السلبي في الرواية إلا ممثلا لطيف معين في المجتمع لو أنه اقتصر على بيان رأيه، لكن المشكلة هي أنه حكم على الرواية حكما أخلاقيا جازما لا صلة له بالنقد الأدبي الذي كان يفترض أن يلتزم به مادام أنه يتحدث عن عمل أدبي يقوم على الخيال.


*كاتبة وأكاديمية سعودية

توقيع منال



حساب الندوة العالمية للشباب الإسلامي






كلمات رائعه من حبيبة قلبي الفرقدان


الثانئي ( شوق القصيم و منال )