رسالات فى تربية البنات // للدكتورة فيروز عمر
تقدير الذات
لماذا الاهتمام بتقدير الذات ؟ وما هي خطورة ضعفه وغيابه ؟ ولماذا نركز عليه فى حديثنا عن تربية البنات ؟
هناك سببان :
1ـ انخفاض تقدير الذات يؤدى إلى الفشل والانحراف.
2ـ ارتفاع تقدير الذات يؤدى إلى النجاح والاستقامة.
* انخفاض تقدير الذات :
أثبتت الدراسات الأكاديمية والخبرات العلمية والواقعية أن السبب (الأول) فى معظم صور الانحراف والفشل ـ دراسى، اجتماعى ، خُلقى، ,, يرجع إلى الشعور بالدونية وانخفاض تقدير الفتاه لذاتها .. ولا يخدعنا صوتها العالى أو عنادها أو ادعاؤها أنها (فتوة)!!
فهى فى الحقيقة مهلهلة من الداخل، لكنها تخفى هذا الضعف والتهلهل وراء قناع التمرّد !!
ولا يخدعنا أيضاَ هدوؤها واستكانتها، فهى قد تخفى ضعفها وشعورها بالدونية وراء ستار الحياء والأدب، والسبب فى الحالتين هو حقن وجرعات (السم) الذى يبثه فيها المجتمع عموماً و(الأم) خصوصاً _ حيث ثبتت أن الأم العربية هى العامل الأول فى ضعف تقدير الذات لدى ابنتها .. تلك الفتاه التى تعانى من انخفاض تقديرها لذاتها تكون فى حالة (تعطش) شديد لمن يرد لها إعتبارها، ويمنحها الشعور بقيمتها فى الحياه، فنجد أن مناعتها (صفر) أمام أى ميل أو إعجاب من الجنس الآخر ... من السهل جداً أن تتحول مشاعر الميل البسيط إلى حب جارف، ومن الصعب جداً السيطره على هذه المشاعر الهائجة، فسرعان ماتتحول إلى علاقة فى وقت غير مناسب مع شخص غير مناسب .
وعندما تتحول المشاعر إلى علاقة ، نقول لها حاولى تجميد هذه العلاقة فأنتِ مازلتِ صغيرة والزواج بعيد، وسُمعتك تتعرض للخطر و .. و... تقول: لا أستطيع !
وعندما يفترق عنها الحبيب، نترك دراستها ومستقبلها وتخاصم الحياه .. فنقول لها: ابدئى حياتك من جديد .
المستقبل أمامك مشرق، ستحبين وتتزوجين وتنجبين وتسعدين .. تقول : لا أستطيع !!
دائماً .. لا أستطيع .. لا أستطيع.
ماالذى جعلها تشعر دائماً أنها (لاتستطيع) ؟!
إنه انخفاض تقدير الذات ...
فتاه أخرى درجاتها الدراسية متوسطة دائماً، ولا تؤهلها للوصول لكلية (القمة) ـ كما يسمونها ـ وكما تحلم أمها أو أبوها ـ فنقول لها : كلية القمة ليست هى النجاح .. ابحثى عن هوايتك أو موهبتك أو ميولك والتحقى بالدراسة المناسبة لها وعندئذٍ ستعرفين المعنى الحقيقى للنجاح ... فتقول: ليس لدىّ هواية أو موهبة أو ميول .. نقول لها: لا يوجد إنسان طبيعى ليس لديه ميول أو قدرات .. ربما هو لم يكتشفها، ولكنها موجودة .. تقول: أنا متأكدة، ليس لدىّ مواهب .. نقول: تعالى نبحث .. تقول: لا أعرف كيف أبحث ..
فتاه ثالثة، تعايرها أمها دائماً بقلة الحظ من الجمال، لأنها سمراء أو ممتلئة أو قصيرة.. وفتاه رابعة، لا تسلم من تقريع الأم لأنها ضيعت النقود في طريق ذهابها للسوق .. وفتاه خامسة، تستقبل دائماً العبارات السلبية التي توجهها لها الأم والأب ...
أنتِ غبية !
عمري ما أقول لكِ حاجة وتعرفي تعمليها عِدِل !
أنتِ مش بتفهمي ؟
هذه الفتاه فريسة سهله لكل صور الانحراف أو الفشل ...عندما نسألها: لماذا لاتستطيعين وقف علاقتك بهذا الشاب؟ تقول: هو وجودى ـ هو كياني !!
معها حق .. فهو الشىء الوحيد في حياتها الذي يشعرها بوجودها وكيانها.
عندما نحاول أن ندفعها فى اتجاه (النجاح) أو بعيداً عن (الفشل) نقول لها أين إرادتك؟ تقول: ما (الإرادة)؟.. هى لاتعرف الإرادة .. الإرادة معنى يعرفه الأقوياء، الواثقون من أنفسهم .. أما الضعفاء الفشلة الذين اعتادوا أن يتحركوا بالريموت كنترول من الأب أو الأم ـ لأنهم من وجهه نظرهم أغبياء مخيِّبون للآمال ـ هؤلاء لا يعرفون الإرادة ..
مرة أخرى .. لايقولّن أحد: لا تُعممى، بناتنا بخير، والأمن مستتب !! ومرة أخرى أقول: أنا لا أعمم، ولكن نتكلم عن (ظاهرة)، والأمن ليس مستتباً !!
لو كانت بناتنا وشبابنا بخير لما كان هذا حالنا ..
•انخفاض تقدير الذات قد يظهر فى صورة تمرد أو انحراف أو فشل .. وقد يظهر فى صور أخرى عاجلة أو آجلة ..
•ربما فى صورة فتاه تقبل أى (عريس) يتقدم لها حتى وإن كانت لا تشعر نحوه بالقبول، فهى لديها الأمل فى أن تبدأ بداية جديدة مع أشخاص آخرين فتفاجأ بالحقيقة المرة بعد الزواج، وهى أن هذا الشخص غير مناسب لها، فتعيش زوجة فاشلة أو تعيسة.
•قد يظهر فى صورة (زوجة) تقبل الإهانة وربما الضرب من زوجها بسبب وبدون سبب، وبدون أى محاولة منها للوقوف فى وجه هذا التعدى ـ فهى الحائط المائل والكلأ المُباح الذى يُفرغ فيه الزوج غضبه من الكره الأرضية ...
• ثم قد يظهر فى صورة (أم) ضعيفة لا تقوى على الإمساك بزمام التربية لأولادها وتدبير شئون حياتهم ..
انخفاض تقدير الذات كارثة أما ارتفاع تقدير الذات :
فهو وقاية لكل ما سبق ...
وهنا يسأل الآباء والأمهات سؤالاً شهيراً: انخفاض تقدير الذات له عيوب قد عرفناها، ولكن أليس لارتفاع تقدير الذات عيوباً؟
نقول،نعم... إذا لم يتوازن مع الارتفاع بالمستوى الأخلاقى والدينى فإنه يؤدى إلى الغرور والكبر والعُجب .
لذلك لا بد من العنصرين معاً : تقدير الذات والتربية الأخلاقية ..فيكون الشخص واثقاً من نفسه ومتواضع .. يكون معبراً عن رأيه، ومحترماً لآراء الآخرين .. يكون مُدافعاً عن منهجه، متعاوناً مع مناهج الآخرين.
وها هو سيدنا يوسف (عليه السلام)، بكل الثقة فى النفس، وبكل تقدير الذات يطلب المسئولية من فرعون مصر فيقول: (اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظٌ عليم)
وهو نفسه بكل التواضع يقول:رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي فى الدنيا والآخرة توفنى مسلماً وألحقنى بالصالحين)
والآن جاء السؤال الهام :
كيف يمكن غرس تقدير الذات فى أبنائنا وبناتنا ؟
ويمكننا السير نحو احترام الذات من خلال أربع قنوات:
1ـ الحب والتقبل والتشجيع.
2ـ النجاح والإنجاز.
3ـ الاتصال الجيد.
4ـ التعرف على النفس عن قرب ( الأفكار ـ المشاعر)
ويمكن الضخ فى هذه القنوات عبر هذه الممارسات :
•عبر لطفلك عن الحب يومياً لفظياً بالكلمات أو غير لفظى بالتربيت أو اللمسات أو العناق.
•اكتب خطابات وملاحظات إيجابية معبرة عن الحب والتقبل والتقدير (ضعها تحت الوسادة ، حجرته، فى حقيبته المدرسية).
•شجع لدى ابنك منذ وقت مبكر أهمية التجربة (حاول، حاول مرة أخرى، رائع لقد تقدمت أكثر ...) مع الوقت سيقتنع فعلا بأهمية المحاولة.
•شجع اتجاه أن كل شىء ممكن إنجازه (فقط اعرف ـ جرب ...)
•نمِ لديه لغة تشجع المجهود الجاد . شجع لدى طفلك روح المغامرة،
•قارن طفلك مع نفسه فقط (أديت اليوم أفضل من الأمس، رائع محاولتك كانت رائعة ...)
•اضحك لنكات طفلك الجميلة وإن (وجدتها سخيفة).
•شجعه ليفكر فى المزيد من النكاتا، فالدعابة تلعب فى حياه الطفل دوراً كبيراً.
•اسأله عن الآراء الشخصية فى الأمور العامة.
2ـ المساعدة والإنجاز والمسئولية:
•ساعد طفلك ليضع أهدافاً ويخطط ليصل إليها (قراءة صفحتين من قصة طويلة، الجرى لمده 5 دقائق، الحصول على درجة جيدة فى الرياضيات...)
*ساعد طفلك على التعرف على النواحى القوية فى نفسه (مشاعر جيده، طريقة تفكير، معاملات، سلوك طيب، قدرات ... ) وإبراز هذه الإيجابيات بقوة (دون مبالغة) وشجعه على المزيد.
•أخبره بأنه يستطيع،وضعه بالفعل فى موقف الاستطاعة .. دعه يصدق بأنه يستطيع.
•الطفل يحب كثيراً أن يشعر أنه ذو قيمة وأهمية للمحيطين به، فأوكل له مهام لينجزها، وليكون له دور فعال فى الأسرة.
3ـ الاتصال الجيد:
*ساعده على كسب كثير من الأصدقاء، وحدثه عن هؤلاء الأصدقاء وربما اشتركت معهم فى لقاء معهم،رحب بأصدقائه فى المنزل، فهو يشعر شعوراً جيداً فى هذا الوقت.
*ساعده ليعبر عن السلوك غير المقبول من الآخرين، ويوضح آثار هذا السلوك عليه، ويطلب بديلاً لهذا السلوك.
* اظهر للطفل أنك تستمتع بحديثه ( أى لا تقاطعه، التفت إليه بعقلك وقلبك وعينك وجسمك. أرسل إليه رسالة أن تهتم كثيراً بما يقول، وتريد أن تسمع المزيد فهذا يخبره بأهمية مالديه، ويخبره بأنك نعم الصديق).
*أخبر طفلك كيف واجهت صعوبات فى حياتك،وكيف تغلبت عليها (حكى الصديق وليس الواعظ)
4ـ التعرف على نفسه:
*ساعد طفلك ليتحدث عن نفسه وأفكاره ومشاعره، لتفهمه جيداً وأخبره أن ذلك يساعد فى التعامل بطريقة مُرضية لكما معاً .
*نم القدرة على التعرف على المشاعر والتعبير اللفظى عنها وتسميتها بدقة (حزين، محبط، غاضب ...) وذلك تمهيداً لوضع حلول للتعامل مع هذا الشعور.
وأخيراً ..
*اعتقد فى قدراته فالمعتقدات نبوءات منجزه.
*عزز ذاتك تعزز طفلك، فنمِ نفسك وزد من قدراتك وانقل هذا لطفلك.
فنحن الحاضر المعاش ببعض القوة وبعض الأمل، أما أطفالنا فهم المستقبل بكثير من القوة وكثير من الأمل.
هذه هى إحدى الطرق الممكنة .. أن نبنى احترامنا لأنفسنا لنُحترم!