يقال إن من علامة المقت إضاعة الوقت. ولو شاهدنا إنساناً يحرق كل يوم مبلغاً زهيداً من المال لعددناه من السفهاء الذين ينبغي أن يُحجر على أموالهم. والذي يضيِّع جزءاً من عمره فيما لا ينفع، أعظم سفهاً ممن أحرق ذلك المال؛ لأن المال يمكن أن يعوَّض، ولا عوض في فوات الأعمار، ويقول الشاعر في اغتنام الوقت:
الوقت أنفس ما عنيت بحفظه
وأراه أسهل ما عليك يضيع
وقال الحسن البصري في وصف الصحابة الذين وعوا هذه الحقائق، قال: "أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد حرصاً منكم على دراهمكم ودنانيركم". تلك النماذج الرائعة من أصحاب الهمم العالية والطموحات البعيدة، كانوا يغارون على أوقاتهم ويشحون بها، إلا فيما يعود عليهم بنفع ومصلحة متحققة.
فهذا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي".
وقال أحدهم لعامر بن قيس أحد التابعين: "كلمني". فقال له: "أمسك الشمس"؛ لأن لكل وقت ما يملؤه من العمل. بمعنى أن لكل وقت واجباته، فإذا فُعلت في غير وقتها قد لا تنفع صاحبها أو تضيع، فهو يعلم أنه إذا أضاع وقته ضاعت مصالحه بقدر ما يضيع من وقته؛ لأن جميع المصالح منشؤها حسن استغلال الوقت.
وقد قال أحد تلاميذ الشيخ حمادة بن سلمة: "لو قيل له إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً، فقد كان إما أن يحدث أو يقرأ أو يسبح أو يصلي، وقد مات وهو في الصلاة رحمه الله تعالى".
حتى في الطريق أثناء ممشاهم، فإنهم لا يتركون الانتفاع بذلك الوقت الضائع عند كثير من الناس، فقد حُكي عن خلق كثير من السلف أنه كان يمشي وفي يده كتاب يطالعه. ويمكن أن نقيس على ذلك الوقت الذي يضيع في السيارة أثناء التنقل، وأنه يمكن استغلاله بأمر مفيد، فلو استمع الإنسان إلى ما يقارب (200) شريط خلال عام واحد، فمعنى ذلك أنه استغل قرابة (200) ساعة من سنوات عمره فيما يرضي الله، كانت ستضيع في الغالب من دون فائدة، أفلا نتدارك وقتنا باستغلاله فيما ينفعنا من عمل الدنيا أو الآخرة؟ فمتى نستفيق من غفلتنا؟! ومتى ندرك سر وجودنا على هذه الأرض يا ترى؟!
حتى وقت قضاء الحاجة، ما كان يضيع عند أحدهم، وهو "مجد الدين أبو البركات" (جد ابن تيمية)، كان إذا دخل الخلاء قال لمن عنده:" اقرأ وارفع صوتك حتى أسمع"!!
كانت لا تتعطل جوارحهم لحظة عن فعل أو قول نافع، بل إنهم يشعرون بحرمة ضياع ساعة واحدة من أعمارهم، كما قال ابن عقيل: "إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره".. وكتابه "الفنون" لم يصنف في الدنيا أكبر منه (800 مجلد) فهؤلاء هم القوم سابقوا فسبقوا.. أين نحن منهم؟!
في الحقيقة أننا في هذه الدنيا في مضمار سباق، جد قوم واجتهدوا فسبقوا ففازوا، وتهاون آخرون فخابوا، وهذا الذي يذكرنا به القرآن الكريم ويقرره عندما نقرأ قوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (الحديد: من الآية21)، وقوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (آل عمران: من الآية133)، وقوله: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} (الذاريات:50).