مراحل تطور التعبير في الرسم عند الطفل
تمر رسوم الاطفال بمراحل تطور وتقدم متعددة، تبعا لمراحل النمو والتعبير الفني عند الاطفال. والتي تم تشخيصها ودراستها من قبل العديد من الدارسين والباحثين امثال: الفرنسي (لوكبيه Lquet) والالماني (كرشنشتاينر Kerscnensteiner) والانكليزي (لو تفيلد Lianfelin) وقد خلص هؤلاء الي تلك المراحل بالشكل التالي:
1- مرحلة ما قبل التخطيط: من الولادة حتي السنة الثانية.
2- مرحلة التخطيط: من السنة الثانية حتي السنة الرابعة.
3- مرحلة تحضير المدرك الشكلي: من السنة الرابعة حتي السنة السابعة.
4- مرحلة المدرك الشكلي: من السنة السابعة حتي السنة التاسعة.
5- مرحلة محاولة التعبير الواقعي: من السنة التاسعة حتي السنة الحادية عشرة.
6- مرحلة التعبير الواقعي: من السنة الحادية عشرة حتي السنة الثالثة عشرة ثم تنتقل هذه المرحلة بعد ذلك الي مرحلة المراهقة.
وقد اتخذت هذه المراحل مقياسا لدراسة العديد من المظاهر النفسية والسلوكية والحركية وغيرها من المظاهر والدوافع التي تتصل بقدرات الطفل التعبيرية الي جانب دراسة التطور في قدرة الطفل التعبيرية من خلال الرسم حيث تم اتخاذها لدراسة تطور الذكاء وعلاقته بقدرة التعبير الفني عند الطفل، وما يتصل بالقدرات العقلية للطفل واثرها في التعبير. وما يتصل بخصائص الطفل واتجاهاته والتعبيرية في كل مرحلة من مراحل النمو. وغير ذلك مما يتصل بنواح كثيرة من التعبير وخاصة ما يتصل بنواحي التغيير في فنون الاطفال).
ومن الواضح ان لكل مرحلة من هذه المراحل خصائصها المميزة في التعبير لدي الطفل. ففي بادئ الامر، كما يعتقد (لوكيه) و(كرشنشتايز) ان الطفل في بدايته يرسم ما يعرفه من الشيء لا ما يدركه منه، وهو يفكك معطيات التجربة ثم يعيد تركيبهم في مستوي عقلي صرف).
وقد ذكرنا امثلة لذلك في ما سبق ويمكن هنا التعمق اكثر في حقيقة هذا الامر من خلال تتبع المراحل التي يتم من خلالها قياس التطور في رسوم الاطفال.
ففي المرحلة الاولي (مرحلة ما قبل التخطيط) او مرحلة (الشخبطة) كما يسميها (لوكيه) لا تكون للطفل اية ميول او اهداف في الرسم سوي التعبير عن دواخله وعما يدور حوله، ويعبر عن ذلك ببعض الرموز والخطوط (اللاواعية) وهي نوع من (الشخبطة) التي يسعي من خلالها الي القيام بنوع من اللعب، او النشاط العضلي الذي لا يهدف الي هدف معين سوي اثبات نفسه، وقدرته الحركية (ففي نهاية العام الاول يبدأ الطفل في (الشخبطة) ويهوي الامساك باي شيء يمكنه من ان ينشئ اثرا في الورق او اي سطح اخر، كجدار حجرته مثلا ويقول (والون) في ذلك ان الرسم هو امتداد للحركة، وهو استمرار لاثر تلك الحركة، فامساك الطفل بهذا الشيء الذي ينشئ به الاثر في الرمل او في الطلاء يبدو أول وهلة وكانه تصرف عشوائي او فوضوي مع انه لنمو النشاط الخطي، بل ان بعض الاطفال يذهبون الي حد استعمال موادهم البرازية في انشاء هذه الاثارة مما يثير دهشة الأم وضيقها بهذه القذارة. غير ان هذا التعبير (اللعبي) عن طريق (الخربشة) او (الشخبطة) يتخذ طريقة الي التحول منذ الشهر الثامن عشر، وحتي سن الستين ليصل الي امكان خلق خطوط افقية او مائلة ميلا خفيفا، وفي هذه السن لا يميل الطفل الي التمثيل وانما هو يلهو ويلعب).
اما المرحلة الثانية (مرحلة التخطيط) عند (لوتفليد) او (مرحلة الصورة الفكرية المرسومة) عند (كرشنشتاينر) او (مرحلة الواقعية الخصبة) عند (لوكيه) فهي تمر بمراحل متعددة من التدرج والتباين في رسم الخطوط والتي تبدأ بالتخطيط غير المنظم، الذي يأخذ اتجاهات متباينة اما لتقليد الاخرين في مسك القمل وتحريكه بعفوية واللعب به في نشاط عضلي وجسمي او للتعبير عن شيء ما دون غاية. ثم يتطور هذا الحال لينتقل الي (التخطيط المنظم) الذي ياخذ اشكالا واتجاهات متعددة افقية وعمودية ومائلة تعبر عن نوع من الفهم والوعي لدي الطفل يدرك من خلاله العلاقة القائمة بين حركة يديه وفاعليته اثرها في الورقة او سطح الجدران. ثم يتطور هذا التخطيط الي شكل اخر من التخطيطي هو التخطيط الدائري او المنوع ثم الرسم الرمزي ثم يتطور الي مراحل متنوعة مثلما يذهب الاستاذ محمود شكر الجبوري (يبدأ تعبير الطفل في التحول من الاحساسات العضلية والجسمانية الخيال الذي يعتمد علي التفكير.
وحين يزداد نشاطه التخيلي والفكري وخبراته المكتسبة تصبح تعبيراته متميزة بشيء من الواقعية يمكن ان يعد رسم الطفل احد مظاهر لعبه، فاللعب عند الطفل هو التعبير عن علاقة الطفل بالحياة باكملها). وهذا التعبير ياخذ مظاهر متعددة. سواء في اللعب او في الرسم. حسب المرحلة التي يعبر عنها الطفل. فالطفل في سنواته الاولي يكون الرسم واللعب بالنسبة له لغة تعبيرية يعبر من خلالها عن دواخله فالرسم عنده في هذه السنوات نوع من التعبير اكثر من كونه وسيلة لخلق شيء جميل. فهو يرسم ما يعرفه لا ما يراه. وكلما تقدمت به السن اعتمد علي بصره في التعبير .
اما المرحلة الثالثة (مرحلة تحضير المدرك الشكلي) كما يسميها (لوتفيلد)او مرحلة البحث عن الرمز والهيئة) عند (كرشنشتايز) او (مرحلة الواقعية العقلية) عند (لوكيه). فانها تمتاز بنوع من التحكم. فرسومات الطفل ابتداء من العام الرابع تمثل اشكاله يمكن تسميتها اذ تكون ذات خطوط واضحة المعالم بطريقة ملموسة او يرتبط كل شكل منها باسم معين، ويبدأ الطفل في هذه المرحلة من السن في اكتساب اسلوبه في التمثيل فالسحنة البشرية التي يرسمها يكون لها -علي سبيل المثال- عدد من الخصائص المميزة بصفة مستمرة، كما ان البيوت التي يرسمها تشابه الي حد كبير . وتعد هذه المرحلة الواقعة بين سن الرابعة والتاسعة الي العاشرة من اهم المراحل.
ففي هذه المرحلة لا يقف الامر عند حد تقليد رسومات الكبار، او عند انتاج صور مشوهة لرسومات البالغين وانما تكون بصدد نمط للتمثيل الخاص. فالطفل لا يسعي في هذه المرحلة الي ان يبهر الاخرين ويخطف ابصارهم بما يخلقه من جمال تشكيلي، وحتي اذا فاز ما يرسمه باعجاب الكبار فان هذا الاعجاب يكون وليد المعايير الشخصية لما يبديه، ولا ياتي جمال الرسومات التي يصنعها الاطفال الا وليد المصادفة، اذ ان الطفل لا يسعي برسمه الي تحقيق هذا الجمال بل كل ما يشغل باله هو (ان يعبر) اي ان يخلق او يسترجع شيئا غائبا، وهي المصطلحات نفسها التي سبق ان ذكرناها بشان استخدام الالعاب او الكلام. ومن شان ذلك ان يوضح: ان الكلام الشفوي والرسم والالعاب تشترك جميعها بالتوازي في تكوين هذه الوظيفة العلامية الرمزية. وتلك خطوة ولا شك اساسية في تطور الشخصية ونموها. وثمة اوجه للتشابه بين هذه الانماط الثلاثة للتعبير التي تسير نحو التطور في مسارات متوازية فاللعبة التلقائية تصبح بعد ذلك لعبة قائمة علي قواعد معينة والرموز الكلامية بعد ذلك اكثر دقة وتحكما. اذ يتجه الطفل الي استعمال لغة الكبار وكذلك بالنسبة للرسم حيث يهجر الطفل اسلوبه الخاص في الرسم في نحو التاسعة الي العاشرة ليتحول الي قواعد تمثل الاشياء الرسم الهندسي).
ومن خلال ذلك ايضا تتطور لغة الاطفال تطورا كبيرا ينعكس بوضوح في لغته التعبيرية من خلال رسومه والعابه. حيث نلاحظ في سلوك الطفل وفي كلامه وفي تعبيرات الكثير من الضبط والحدود الجيدة من التحكيم في اللفظ وفي التصرف وفي التعبير الفني عبر الرسم او اللعب. (وهكذا ينشا لدي كل طفل اسلوبه الخاص في الرسم، وتظهر نمطيته التمثيلية الخاصة، فبعضهم يكون ضنينا في ايضاح التفاصيل وتكون خطوطهم جامدة، في حين يستعمل الاخرون الوانا مكثفة تملأ كل المساحات الخالية من الورقة او مع مراعاة درجات التناسب اللازمة فانه يمكن ان القول بان لكل طفل اسلوبه في الكلام واسلوبه في اللعب واسلوبه في الرسم، وهذه الاساليب الخاصة به هي وسائله للتعبير عن لغته الداخلية).
هذا بالنسبة للمراحل الاولية اما المراحل الاخري المتعاقبة بعدها والتي لا نريد التعرض اليها لكي لا نتوسع بهذا المحور اكثر مما يجب، فهي تزداد تطورا وسعة في الفهم والادراك والخيال والتامل كلما اجتاز الطفل مرحلة بعد اخري.
وبشكل عام فان هذه المراحل بتعاقبها المتصل تشكل القاعدة الاساسية التي يتطور فيها تعبير الطفل بشكل عام وتعبيره من خلال الرسم بشكل خاص لذا يجب تاكيد ان رسوم الاطفال المتمثلة بالعابهم تزخر بالكثير من الانشطة الابداعية التي يمكن ملاحظتها وتشخيصها بوضوح، والتي تعززها مراحل النمو العام ومراحل النمو في التعبير الفني. والتي تتطور من مرحلة الي أخري، والتي تتمثل في استخدام اقلام الالوان والطباشير التي تسير بنفس الخط النمائي الذي ياخذه نمو رسوم الاطفال من سن الي سن آخر. ففي سن العامين يبدأ الطفل في تجربة التلوين. وفي سن الثالثة يمكنه ان يتحكم في استخدام هذا التلوين. وفي الرابعة يدخل الخيال شيئا اساسيا في انشطته. وفي الخامسة يبدأ في ان يكون واعيا بذاته في عمله كما يشير اجيزل واخرون) وياتي استخدام الطفل اللالوان المائية بعد استخدامه لاقلام التلوين بمدة قصيرة فالرسم بالالون المائية شكل شائع للتعبير عن الذات حيث يبتهج الطفل كثيرا من تغطيته لصفحات الورق بالوان زاهية يختارها ويؤلف بينها بدون اشراف اوتدخل من الكبار، ويسعد الاطفال كثيرا بالرسم والتلوين بالاصابع وابتدأ من سن السادسة تقريبا يتمثل التعبير الاكبر في الرسم خاصة في العمل علي اتقان رسم (الارضية) التي تتجسد عليها موضوعات رسمه).
وهكذا تتطور قدرات الطفل علي الرسم والتعبير التلقائي في التجسيد، وفي اختيار الافكار والمواضيع والاشكال والرموز والالوان. وكل ذلك يمنح الطفل القدرة علي التمييز بين اتجاهين في اللعب من خلال الرسم.
الاتجاه الاول: هو اللعب العفوي الذي يتمثل بالتوجه الي ادوات (اللعب- الرسم) بتلقائية لممارسة النشاط ودون تخطيط مسبق.
الاتجاه الثاني: هو اللعب الاختياري، الذي يتوجه فيه الطفل الي ادوات (اللعب- الرسم) بقصيدته) تدفعهما فكرة معينة ترسخت في باله، ودعته الي ان يجسدها في هذا النشاط كأن يحمل صورة لحيوان ما او لشيء ما وقد قام برسمها بالطريقة التي يراها مناسبة.
وبين هذا الاتجاه او ذاك. نتوصل الي نتيجة مهمة تؤكد ان المراحل الاولية (التي مر ذكرها) من مراحل التعبير الفني التي يمر بها الطفل خلال مراحل نموه المتعاقبة تشكل اساسا مهما لتقويم قدراته وتحفيز ميوله وتدريب استعدادته بالاتجاه الذي يدفعه الي ادراك المزيد من الحقائق عن الرسم كاتجاه للعب والرسم باتجاه الفن والابداع.
والحقيقة ان التمييز بين الاتجاهين يمكن ان يتم في مرحلة متقدمة من مراحل التعبير الفني بعد اجتياز المراحل الأولية من مراحل النمو والتعبير الفني، اذ ان المرور بتلك المراحل مسالة اساسية لكل طفل، فهي المجال الطبيعي لكل الاطفال الاسوياء ومن بين هؤلاء يبرز عدد قليل من الاطفال الذين يتميزون بمواهب بارزة وقدرات تعبيرية عالية تتيح لهم التميز عن اقرانهم حيث يتجه ميلهم الي الرسم كفن وابداع، وذلك بعدا ن يتحول نشاطهم في اللعب من خلال الرسم، من النشاط التقليدي الي النشاط الابداعي، الذي يوسع من قدرات الطفل العقلية ويدفعها الي الابتكار والتفتح العلمي او الفني او الادبي. وهذا وحده يشكل احد العوامل الاساسية لادامة العلاقة بين الطفل والرسم في نشاط اللعب.. ويشكل بالوقت نفسه مجالا خصبا لدراسة وقياس القدرات العقلية للطفل من خلال رسومه.
جريدة (الزمان) الدولية - العدد 5254 - التاريخ 41/11/2006