جلس خالد في قاعة الامتحان وأحد المراقب يوزع أوراق الأسئلة وكراسات الإجابة، تطلع خالد إلى ورقة الأسئلة في لهفة وشوق.
وارتسمت على وجهه ابتسامة ثم هتف- الحمد لله – الأسئلة سهلة جداً وسوف أحلها جميعاً قبل انتهاء نصف وقت الإمتحان .
وفي هدوء أمسك بالمسطرة والقلم الرصاص، وأخذ يسطر الكراسة ويضع الهوامش. فرك خالد يديه وكتب:ـ إجابة السؤال الأول، وقبل أن يكتب كلمة آخرى رأى صفحة الإجابة وكأنها تهتز مثل صفحة الماء التي يداعبها النسيم فتعمل موجات خفيفة .
فرك خالد عينيه ثم صوب نظره إلى سطح الورقة فبدأ يتشكل على وجهها ملامح حيوان صغير رأسه تكاد تكون مستديرة وأذناه صغيرتان وعيناه ملونتان وفروته بيضاء وذيله مقوس.
فرك خالد عينيه مرة آخرى وصاح:ـ
مستحيل قطتي بوسي!!!
نظرت بوسي إلى خالد في حزن وترقرقت دموع في عينيها.
مد خالد يديه يهدهد على فروتها الناعمة لكنه لم يجد سوى صفحة بيضاء ذات سطور منتظمة. عاد خالد ليقرأ السؤال الأول وبدأ يضع إجاباته فرأى صورة القطة تملأ الورقة وقد اشتد حزنها وتساقطت دموعها.
همس خالد سامحيني يابوسي.
وأخرج منديله ومد يده كي يمسح دموعها إلا أنها اختفت مرة أخرى وكأنها اختبأت أسفل الورقة حتى لا تصالحه.
تألم خالد وحاول أن يبحث عن إجابة السؤال الأول إلا أنه لم يتذكر شيئاً وكأنما خطفت بوسي الإجابة من رأسه واختفت
همس خالد :ـ إنني أستاهل كل ماحدث لي .. ليتني لم أؤذي بوسي، وعادت بوسي تظهر على ورقة الإجابة وألقت نظرت عتاب إلى خالد ثم نظرت إلى ذيلها المقوس واختفت.
تذكر خالد نظرت بوسي الحزينةودموعها الحارة وذيلها المقوس:ـ أنا السبب ليتني لم أجذب ذيلها .. لكن ماذا أفعل؟ لقد أرادت اللعب معي بينما كنت مشغولاً بالمذاكرة.
وقرأ خالد السؤال الأول للمرة الثالثة وحاول أن يركز ذهنه ويستدعي الإجابة إلا أنها تاهت من رأسه وقفزت صورة بوسي أمامه فوضع رأسه بين كفيه وهمس حتى لايزعج زملائه:ـ
لماذا شددت ذيلها حين أرادت اللعب معي؟ لماذا ضربتها بقسوة حين خطفت كتاب المذاكرة وجرت إلى الصالة.. لماذا قرصت أذنيها؟ ولكن ماذا أفعل حين خطفت الكتاب وجرت؟ كان ينبغي أن أفهمها أنني أذاكر ولا وقت لدي للعب، لقد أخطأت لكنني عاقبتها بقسوة.
وتذكر خالد اللحظات السعيدة التي كان يقضيها مع بوسي.. وكيف كانت توقظه من النوم ليذهب إلى المدرسة وكيف كانت تستمع إلى شكواه وتشاركه اللعب .. وانتبه خالد على صوت مراقب اللجنة قائلاً فات نصف وقت الإمتحان ..
همس خالد :- يارب ساعدني يارب.. أنا مخطئ ونادم .. مخطئ لأنني لم أرأف بالحيوان وسوف أصلح غلطتي وأراضيها .. بوسي قابها طيب .. سأحضر لها وجبة سمك طازجة.. أعدك يارب.
وعاد خالد يقرأ السؤال الأول للمرة الرابعة ونظر في ورقة الإجابة فرأى وجه بوسي يبتسم وكأنها تقول له: - سامحتك. أحس خالد براحة شديدة وبدأت المعلومات تعود إلى ذهنه فانهمك في إجابة الإمتحان .
كانت هناك سلحفاة تأكل ورقة خس مرمية في أحد الحقول، وفجأة سمعت صوتاً مزمجراً:
أخيراً.. عرفت من أتلف لي حقلي..!
نظرت السلحفاة إلى أعلى، فرأت رجلاً عابس الوجه، فقالت:
أرجوك يا سيدي، سامحني، لقد كنت جائعة جداً.
جائعة.. هه.. أنت سارقة، حتى وإن أكلت مجرد ورقة خس صغيرة.
يا لك من رجل بخيل..
دمدمت السلحفاة يانسة.. وهنا غضب الرجل لسماع هذه الكلمات حسناً إذن.. سأجعلك تدفعين ثمن كلماتك هذه .. سأنزع عنك هذا الترس الذي يغطي ظهرك..
وقبل أن تتمكن السلحفاة من فتح فمها انتزع الرجل درعها بقسوة وهو يضحك فيما كانت السلحفاة تبكي، لتمضي بعدها زاحفة وهي ترتجف من البرد، والخوف، صوب الغابة القريبة، حيث أخذت تنتحب بصوت مرتجف، أيقظ الغراب والقنفذ اللذان كانا يهجعان قريباً منها..
لماذا تبكين أيتها السلحفاة؟
سألها القنفذ.. مسحت السلحفاة دموعها بيدها، وأخذت تقص عليهما حكايتها مع الرجل القاسي الذي انتزع درعها.. وحين انتهت من سرد حكايتها قال لها الغراب:
لا بأس.. سأذهب حالاً إلى حقل الخس.. وأجلب لك درعك. أما القنفذ فقد قال لها:
أما أنا فسوف أخيط لك الدرع ثانية، بواحدة من إبري القوية هذه.
وبعد قليل عاد للسلحفاة درعها الجميل، وعادت أنيقة مرة أخرى.
ارتفع صوت محرك قارب الصيد القديم في وسط مياه البحر الزرقاء، وألقى الصيادون شباكهم فخرجت محملة بعدد كبير من الأسماك الجميلة والغريبة الشكل، فتعجب الصغير أحمد بن الشيخ حسن كبير الصيادين وحدث والده قائلاً:
- هل تعرف أسماء هذه الأسماك يا ولدي؟
ضحك الحاج حسن وهو يقول:
نعم يا بني أعرفها كما أعرفك، وأنت أيضاً قريباً ستعرف كل شيء عنها عندما تكبر، لأنك ستصبح صاحب هذه المركب من بعدي، ويجب أن تتعلم كل شيء عن الأسماء من الآن..
ابتسم أحمد من حديث والده الذي أمسك أحد الأسماك الكبيرة وهو يقول:
- انظر يا أحمد إن تلك السمكة اسمها سمكة أبو سيف، وهي كبيرة الحجم كما ترى، وستجد في البحر أحجام كبيرة جداً منها، وهذه السمكة هي في الحقيقة سمكة عادية جداً كأي سمكة أخرى، ولكن نمت عظمة فوق شفتها العليا وأصبحت كالسيف، وهذه العظمة تساعدها في السباحة وفي صد الأعداء عنها.
فأشار أحمد إلى سمكة أخرى قائلاً:
- وهذه ما هي ؟!
نظر الحاج حسن تجاه السمكة وهو يقول:
- إن تلك السمكة ذات الأسنان الحادة هي سمكة القرش وهي من الأسماك التي يخشاها الصيادون لأنها تدمر الشباك وتأكل معظم الأسماك الموجودة بالشبكة ولكنها الحمد لله لم تفعل ذلك في شبكتنا اليوم، وسمكة القرش هذه عدة أنواع، فمنها ما هو كبير الحجم جداً ويصل طوله أكثر من عشرة أمتار ويسمى القرش النمر.. وسبحان الله بالرغم من ضخامته تلك إلا أنه لا يأكل اللحوم، ويتغذى على الطحالب، وهناك أنواع أخرى من سمك القرش صغيرة جداً تصل إلى ربع متر وعلى الأكثر نصف متر..
وتعيش في قاع البحر حيث تدفن جسمها في الرمال وتلتهم أي سمكة تقترب منها..
ويوجد بالبحر أكبر مخلوق على سطح الكرة الأرضية وهو الحوت الأزرق..
تعجب أحمد وهو يقول:
كيف ذلك يا والدي إنني رأيت الفيل ولا أتخيل أن هناك مخلوقاً أكبر منه!!
تبسم الحاج حسن وهو يقول:
- إن حوتاً واحداً من الحيتان الزرقاء يزن حوالي عشرة أفيال مجتمعة..
- ويوجد في البحر حيوان الدولفين وهو صديق للإنسان فهو ينقذه إذا ما أشرف على الغرق، ويظل يسبح به إلى أن يخرجه إلى الشاطئ.. فسبحان الله...
تكلم أحمد بصوت عالٍ قائلاً:
- انظر يا أبي هناك عنكبوت كبير في الشبكة ضحك الحاج حسن من كلام ابنه، وزبت على كتفه، وهو يقول:
- يا صغيري إن ما تراه هو الإخطبوط وهو نوع من أنواع الأسماك أيضاً ولكن لا يمتلك هيكلاً عظيماً، وبالتالي تجده رخواً وليس له شكل محدد...
نظر الحاج حسن إلى ولده وهو يقول:
- أتدري يا صغيري أن أم الإخطبوط تستحق أن تنال جائزة في عيد الأم..؟!
تبسم أحمد وهو يقول:
كيف ذلك يا أبي؟!
- إن أنثى الإخطبوط عندما تضع بيضها لا تخرجه من جسدها كباقي الأسماك ذلك لأنها لا تخشى أن يموت صغارها، ولكنها تحتفظ بالبيض في بطنها، وبالطبع تخشى أن تأكل حتى لا تلوث البيض.. فتظل صائمة عن الطعام مدة طويلة حتى يفقس البيض وتخرج الصغار وبالطبع تكون الأم قد تعبت كثيراً، وفي النهاية فإنها تموت..
تعجب أحمد وقال:
- سبحان الله يا لها من تضحية فعلاً.. حقاً يجب أن يتعلم الإنسان من الأسماك ومن كل شيء...