أربعة أمتار بأربعة.. تلك هي مساحة غرفتها المظلمة ذات الجدران الداكنة والسقف العالي، الذي ألقى بثقله وثقل السنوات على عدة ألواح خشبية بنت عليها العنكبوت بيتها، وهي على ثقة من أن يداً لن تمسه بسوء.
توسط الحائط بشباك خشبي صغير جمعت ألواحه بمسامير طمس معالمها الصدأ، تسللت أشعة الشمس عبر فتحاته الصغيرة بصعوبة، وحوله تسربات من المياه والطين بعد أمطار الشتاء ورياحه العاتية.
جلست القرفصاء تحيط ركبتيها بيديها وهي تلف جسدها المرتعش ببطانية بالية، تشربت رطوبة المطر فانتشرت رائحتها النتنة في المكان لتصبح مرتعاً خصباً للبعوض والحشرات الطائرة، استجمعت قواها اقتربت من الحائط تحاول النهوض بيد وباليد الأخرى تمسك بالعصا، وقفت متحدية سياط الزمن الذي نال كل عضو من جسدها الهزيل بلسعاته المؤلمة، فرسم خطوطه بدقة متناهية على صفحة وجهها الذي تحول لطبقات من التجاعيد بعدد أيام العمر وساعاته، حركت مقبض الباب ألقت نظرة على السكة الضيقة أمام منزلها، ففر الأطفال وعلت صرخاتهم وانتشروا وهم يرددون: العجوز اهربوا ستقتلكم بالعصا!! لم تستغرب فهي غريبة في هذا المكان الذي لم تعد إليه إلابعد رحيل جيلها وما بعده، وهؤلاء الصغار لا يعرفون إلا عجوزاً تسكن منزلاً قديماً برفقة الأشباح، ويرددون إشاعات بأن هناك أضواء ودخاناً يخرج من منزلها آخر الليل مما يجعل الجميع يهربون من لقائها، ومع ذلك تجد كل ليلة قطعاً من الخبز وبقايا طعام أمام دارها وهو قوت يومها جاءت منذ فترة من المدينة لمنزلها القديم الذي يخلو من الأثاث والحياة بعد أن تخلى عنها الجميع، وأصبحت ترى نظرات الجحود والعقوق في أعين أبنائها، فكل واحد يحاول التخلص من مسؤوليتها والاستمتاع بحياته مع أسرته، لم تنتظر أن ترمى على قارعة الطريق فهربت لملاذها الوحيد رغم وحشته وخشونة الحياة بين جدرانه التي لانت أمام قسوة قلوب البشر.
لم يعد لها رفيق غير عصاها الذي تستند عليه وتشكو إليه وهي تأمل أن يفشي أسرارها، ابتهجت وهي تلمح صغيرة تقف أمامها وتنظر إليها بدهشة محاولة إخراج بعض الكلمات وهي تمضغ اللبان، تراقص الفرح بأعماقها حشرت يدها في جيبها تبحث عن الحلوى اختل توازنها فسقط عصاها أين هي الحلوى؟... هربت الصغيرة تاركة خلفها طيف ابتسامة ووجه بريء أشرق به المكان، انهارت قواها جلست على عتبة الباب وهي تردد: تلك الطفلة فيها الكثير من بشرى!! ابنة زياد يا لك من ابن عاق يا زياد لقد بعتني بأرخص الأسعار!.. بعت جسداً احتواك وغذاك وباع الدنيافي سبيل لقمة تسد بها جوعك في ليلة حالكة باردة كبرودة مشاعرك! أين أنت بعد أن أصاب هذا الجسد الهزال وجمد أطرافه الصقيع وطوى أمعاءه الجوع، انتظرتك تجفف دمعي فأحرقت وجنتي بدمع رسم جراحاً لن تندمل سامحك الله! رفعت رأسها للسماء وأطرقت إلى الأرض فالصمت لغة عليها الاعتياد عليها منذ الآن لون جديد بلا ألوان إنه خريف العمر بين أزقة الجحود.