محاضرة اخلاق الكبار للشيخ خالد بن عثمان السبت
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أما بعد:
أيها الأخوان حديثنا معكم في هذه الليلة عن أخلاق الكبار وإنما نعني بالكبار أصحاب النفوس الكبيرة الذين يحلقون عالياً ويترفعون عن الدنايا وسفاسف الأمور فتعلو هممهم عن الدوران في الوحل والحضيض ويسمقون عالياً فلا يدور الواحد منهم حول نفسه ترضيه الكلمة وتبغضه الكلمة ويعجبه المدح ويسوؤه الذم يقاطع هذا لأنه ذمه ويحب هذا لأنه مدحه ويعادي هذا لأنه جرحه يدور مع نفسه حيث دارت يرضى من أجلها ويسخط من أجلها يحب لها ويغضب لها فهذا صاحب نفس دنيئةٍ رضي بأن يكون في الهاوية وحرم نفسه جنتاً قبل جنة الآخرة وهي انشراح الصدر والأنس والسعادة التي تحصل بالترفع والعلو عن الدنايا وسفاسف الأمور هؤلاء هم الكبار الذين سنتحدث أيها الأخوان عنهم هم أصحاب النفوس الكبيرة ولا اعني بالكبار هم من تقدم السن وطال بهم العمر ولا اعني بهم من تبوءوا المناصب العالية وحصّلوا الرتب الرفيعة إنما أتحدث عن أصحاب نفوس كبرى وصدور واسعة لا يلتفتون إلى أنفسهم ولا يقفون عندها وإنما تعنيهم المصالح الكبرى للإسلام فهؤلاء حري بنا أن نتحدث عن أخلاقهم وأوصافهم وأن نشيع هذا الحديث فهذا الموضوع أيها الإخوان نطرحه لشدة الحاجة إليه نحن بحاجةٍ إلى مذكراتها لأننا كثيرا ما نغفل عن هذه المعاني فكم خطبةٍ قد فسخت وكم من أسرة قد شتت وكم من محبةٍ تحولت إلى عداوة وكم من شراكةٍ في عمل دنيوي أو دعوي قد تشتت وتشرذمت وكم من علاقات تقطعت أواصرها بسب تدني النفوس بسب الوقوف عند حظ النفس فيرضى الإنسان لأجلها ويغضب لأجلها يكون الإنسان منتصرا لنفسه على أي حال كان ولا يقبل من أحد أن يصدر منه تجاهه خلل ولا تقصير ولا نقص وإن حصل شي من ذلك فلا عفو ولا مسامحة ولا تذكر لصنائع المعروف القديمة وأواصر المحبة والروابط التي جمعت بين هؤلاء المتحابين ينسى ذلك جميعا وينقلب رأسا على عقب مبغضا شانئا لهذا الإنسان الذي تصور أنه تنقصه وأنه قصر في حق من حقوقه لماذا هذا التدني أيها الإخوان لماذا يجعل الإنسان نفسه بهذه المثابة أقول أيها الإخوان هو الركون إلى أصل خلقته ومادته الأولى التي خلق منها وهي الطين فالإنسان خلق من عنصرين اثنين قبضة من الطين ونفخه من الروح فإذا ركن الإنسان إلى أصل مادته وهى الطين فإنها تجذبه وتشده إلى أسفل فتتدنى أخلا قه وتسؤ ويصدر منه ما لا يليق وما يخجل العاقل منه إذا تبصره وتذكره وإذا كسر هذه الآصار والقيود والأغلال حلق عالياً وأرتفع وتسامى بأخلاقه فتجاوز نفسه وجعلها خلف ظهره فلم يعد ذلك الإنسان الذي ترضيه الكلمة وتسقطه الكلمة يتجاوز هذه المرحلة ثم بعد ذلك يتعامل مع الآخرين بصدر واسع وبنفس كبيرة يتحمل منهم الصدمات والكدمات والأخطاء والعيوب يتحمل منهم كل ما صدر تجاهه من تقصير في حقه الخاص ولا يصلح أيها الإخوان لمن أراد أن يحصّل المراتب العالية إلا هذه الأخلاق وهذا الأمر أيها الإخوان حينما نتحدث عنه لا نوجه هذا الحديث إلى قوم آخرين إنما أوجه الحديث أيها الإخوان إلى نفسي أولا وأوجهه إليكم ثانيا فلا يظنن أحد أن الخطاب بهذا الموضوع يراد به غيره بل أحضر قلبك وفكر في حالك وكن ممن يسمع لينتفع وليغير فجدد حياتك ونقي أخلاقك وقوم سلوكك وأرجع إلى أهلك من هذه الليلة بوجه جديد وأرجع إلى أصحابك وقومك بوجه جديد وبنفس أخرى تتجاوز هذه الحظوظ النفسانية التي تجعلك صغيراً .
هذا الموضوع أيها الإخوان يخاطب به العلماء ويخاطب به طلاب العلم ويخاطب به الدعاة إلى الله عز وجل ويخاطب به أصحاب الولايات من الملوك والرؤساء والأمراء وكل من له ولاية صغرت أم كبرت ويخاطب به الآباء والأمهات ويخاطب به المربون والمعلمون وعامة الناس يخاطب به كل طالب من طلاب الكمال لا أحد أيها الإخوان يرضى بحال من الأحوال أن يوصف بدناءة النفس وأنه صغير منحط الهمة يعيش في عطن ضيق ونفس صغيره لو وجهت هذه الأوصاف لإنسان لغضب منك وما أحتمل ذلك وأباه كل الإباء وهذا يعني أيها الإخوان أن الجميع يتفقون على استحسان هذه الصفة وهو الشأن أيها الاخوة في الحديث عن قضايا الأخلاق فهو حديث جميل حديث شيق تعشقه النفوس وتنجذب إليه والرسل عليهم الصلاة والسلام لو كانت دعوتهم منصبة على الأخلاق فحسب دون القضايا الأخرى الكبرى وهي قضايا التوحيد والشرك لهتف الناس جميعا يؤيدونهم ويتبعونهم لأنه حديث يوافق عليه الجميع وكان بعض العلماء أعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يقول لو دعوت الناس إلى الأخلاق الحسنة وترك القبائح كالزنى والسرقة لوافقني على ذلك الجميع فهو حديث يوافق عليه الموالف والمخالف كل الناس يستحسنون ذلك ويعشقون سماعه ولكن التطبيق شي أخر التطبيق هو المحك الذي تتبدى فيه معادن الناس وتنجلي فيه النفوس وتظهر حقائقها فليست العبرة أيها الإخوان بأن يستحسن الإنسان سماع خلق حسن إنما العبرة بالعمل والتطبيق ليست الأحلام في حال الرضي إنما الأحلام في حال الغضب ليست الأخلاق الفاضلة أن توزع ابتسامات في حال الرضي مع أصحابك وجلسائك إنما الأخلاق الصحيحة الحقيقية هي أن تسمو بنفسك في جميع الظروف والأحوال وتترفع عن الدنايا وسفاسف الأمور هذه هي الأخلاق التي ينبغي أن يكون الإنسان عليها والله عز وجل قد وصف نفسه وسمي نفسه بالعفو والعفو صفة من صفاته وهي صفة عظيمة كريمة تعني التجاوز عن الذنب والزلة وعدم المؤاخذة بالجريرة وترك المعاجلة بالعقوبة فهو عفو حليم كريم يحب العفو فنسأله تبارك وتعالى أن يتغمدنا بعفوه وكرمه ولطفه وحلمه .
أيها الإخوان ينبغي لكل واحد منا أن يسأل نفسه بعد ما عرف توصيف هذه الخلة هل هو من أصحاب النفوس الكبيرة هل هو متحلي حقيقة بهذا الوصف الذي اجتمعنا من أجل الحديث عنه أم أنه قد قصر في هذا الباب تقصيراً بينناً فأدى ذلك وأثر أمور سيئة مستهجنه من عداوات وأحقاد وتربص لتصفية الحسابات مع هذا أو ذاك .
أيها الإخوان كثيرا ما يختلط علينا الأمر بين الانتصار للدين وبين الانتصار للنفس أحيانا يخرج الإنسان غاضبا يريد الانتصار والانتقام ويريد الإيقاع بخصومه ومخالفيه ويخرج بوجه مكفهر وهو بذلك قد تلبس وتدثر بدثار يقول فيه إنه ينتصر للدين والعقيدة والإيمان ويفعل ذلك غيرة على شرائع الإسلام فيلتبس الأمر عليه بين الانتصار لنفسه وبين الانتصار لله تبارك وتعالى . . كما يلتبس كثيرا علينا أيها الإخوان أمر العزة وأن المؤمن عزيز فالعزة لله ورسوله وللمؤمنين كثيرا ما تلتبس هذه العزة عزة النفس من الانتقام والرغبة في الاقتصاص ممن جنى علينا بعض الجنايات فلا ربما صدر منا ما لا يليق تحت مظلة العزة عزة المؤمن وأنه لا يقبل الضيم ولا يرضى بالذل وأنه ليس من الهوان في شي فينتصر لنفسه ولا ربما بالغ في الانتصار تحت هذا المسمى عزة المؤمن (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) /39 الشورى / وما علم أن جميع الآيات القرآنية تذكر فضل العفو والصفح المسامحة والإغضاء (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) /34 فصلت/ ولكن من يطيق ذلك (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) /35 فصلت/ ويأتيه الشيطان يحركه ليستنصر لنفسه زاعما أن ترك هذا الانتصار أنه من العجز والخور وأن الناس يعيرونه بالضعف ويلمزونه بالنقص (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) /36 فصلت/ فهذه الآيات خاطبنا الله عز وجل بها من أجل تقويم هذا السلوك وتصحيح المفاهيم وما هو الواجب المتعين على الإنسان وما هو الفصل وكيف يرتقي الإنسان بنفسه وكيف يغلق على الشيطان مسالكه فلا يفسد عليه ما يرنو إليه من إصلاح القلب والعمل . . أيها الإخوان سأذكر لكم نماذج كثيرة تدلل دلالة أكيدة على أن ثمة قصوراً كبيراً وخللاً واضحاً على جميع المستويات عند الدعاة إلى الله وعند عامة الناس وعند الأزواج وعند الزوجات وعند الجيران وعند المربين وعند المصلين وفي جميع فئات المجتمع إلا من رحم الله عز وجل أمثله تبين لك حالنا مع حال أولئك الذين قد ربوا أنفسهم و تجاوزوا حظوظ النفس ولم أعتني في هذا الحديث بالكلام على خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فهي خصائص كبرى وأخلاقه صلى الله عليه وسلم ملخصة لنا بعبارة مختصره كان \" خلقه القرآن \" كما قالت عائشة رضي الله عنها فماذا تظن في رجل كان خلقه القرآن إلا اتساع الصدر ومجاوزة حظوظ النفس والترفع عن الأخلاق الدنية السافلة الهابطة فلو تحدثنا عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وسعنا هذا المجلس ثم أن تخصيص الحديث عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب خاصة لربما يكون مدخلاً لقائلٍ حيث يقول هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزع الله حظ الشيطان منه وهو صغير صبي مسترضع في بني سعد أخرج منه علقه حينما شق صدره صلى الله عليه وسلم ثم شق صدره صلى الله عليه وسلم ثانية في قصة الإسراء والمعراج وغسل قلبه صلى الله عليه وسلم ولغاد يده بماء زمزم في طست من ذهب وطهر تطهيراً فمن كان بهذه المثابة فلا شك أنه أعظم الناس خلقاً وأكثرهم حلماً وأطيبهم نفساً فقد يحتج محتجٍ فيقول هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طهره الله هذا التطهير فأنى لنا بذلك ولهذا ذكرت نماذج أخرى من حال سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم في أبواب شتى لئلا يكون لمعترض اعتراض أو حجةٍ والمقصود هو أن نعالج النفوس أيها الإخوان ونقطع دابر الشيطان فأقول أيها الإخوان ذكرت نماذج قليلةٍ من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور معينةٍ قصدا ًمن أجل أن هذه الأمور لو كانت مع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لربما ردها بعض من لا زالت نفوسهم تعاني من رواسب الجاهلية و لربما لو نسبت لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم لربما تجرأ بعض هؤلاء إلى لمز من وقع ذلك منه كما ترون في أمثلة أوردها في هذه المحاضرة اختبر نفسك حينما تختلف مع قوم في مسائل علميه من قضايا الاعتقاد من أهل الأهواء والبدع والضلالات فهؤلاء كما هي عقيدة أهل السلف والجماعة أن من كان الإيمان منخرماً في قلبه فإنه لا محل لموالاته (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حاد الله ورسوله ) /22 المجادلة/ فالكافر لا محل لموالاته وأما من جمع بين عمل صالح وسيء في باب الشبهات البدع والضلالات أو الشهوات كالمعاصي فإن هؤلاء لا يتجزأ الولاء والبراء معهم فعقيدة أهل السنة والجماعة محكمة في هذا الباب أن نحب الإنسان على قدر ما فيه من الإيمان وأتباع السنة ونبغض الإنسان على قدر ما فيه من الانحراف والضلال والبعد عن طاعة الله عز وجل ونحن يختلط علينا الأمر أيها الإخوان حينما نقف وجها لوجه مع من أبتلي بشي من التقصير في حق الله عز وجل بسبب شبة أو شهوة فيظن الظان أنه أحيانا يتصرف التصرف الشرعي انتصارا للدين والواقع أنه ينتصر لنفسه ربما قال بعض هؤلاء في حق فلان من الناس قولة لا تليق لربما أساءوا إليه ووقعوا في عرضه فبلغه ذلك فشمر عن ساعد الجد ينتصر لنفسه ويجلب عليهم بخيله ورجله وهو يزعم أنه ينتصر للدين ويدافع عن التوحيد والعقيدة والإيمان وقد يكون الأمر خلاف ذلك فهو يدافع عن حظه وشهوته ونفسه هذا الإمام أحمد رحمه الله لما وقعت فتنة القول بخلق القرآن حبس وجرجر وضرب وأضطهد يضرب في وسط نهار رمضان في الحر وهو صائم حتى يفقد وعيه ثم بعد ذلك ينقل إلى موضعه في السجن وأثار الدماء قد لطخت ثيابه وهو الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة رضي الله تعالى عنه وأرضاه إمام زمانه و مع ذلك لم ينتصر لنفسه ولم يغضب لنفسه وإنما كان يغضب لله جل جلاله كان يقول بعد ذلك / من ذكرني ففي حل / ويقول ولقد جعلت أبا إسحاق يعني المعتصم وهو الذي ضربه وجلده جعلت أبا إسحاق يعني المعتصم في حل ورأيت الله يقول (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) /22 النور/ وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة الإفك ثم قال / وما ينفعك أن يعذب أخاك المسلم في سبيلك / . . الإمام أحمد بعد ما أوذي هذا الأذى لم يفتح ملفات من الأحقاد و سجلات من العداوة فلان هو المتسبب و فلان هو الذي سعى في الموضوع و فلان خذلني وفلان قصر في حقي وفلان لم يسعى في خلاص أسر هؤلاء وفلان ما زارني بعد السجن وفلان صدرت منه بعض الكلمات التي لربما يفهم منها أنه كان مداركاً لهذا العمل راضيا ًبه لم يفتح شيئاً من هذا إطلاقا ًولم ينقل لنا التاريخ عن الإمام أحمد رحمه الله على طول ترجمته لم ينقل عنه كلمة واحدة تدل على أنه وقف عند نفسه وهذا شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله أوذي ورمي بالعظائم وكفره علماء وأفتوا السلطان بقتله وضرب بعضهم على صدره وقال / دمه في عنقي دمه حلال / وبقي رحمه الله يقاد من سجن إلى سجن في دمشق وفي القاهرة وبقي مدداً متطاولة في السجن ثم يخرج منه ثم يعاد إليه مرة ثانيه قام عليه أهل عصره من شيوخ أهل البدع والضلال والأهواء ومن الحسدة الذين امتلأت قلوبهم غيظاً وحنقاً على هذا الإمام الذي ملى الدنيا علما ودعوتاً وكسر أهل الضلال والبدع بصوارم السنة ولا زالت كتبه شاهدة لذلك كان من ألد أعداء شيخ الإسلام الذين يفتون بقتله وبحل دمه وبكفره رجلاً من فقهاء المالكية يقال له ابن مخلوف مات ابن مخلوف في حياة شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله فعلم بذلك تلميذه ابن القيم تلميذ شيخ الإسلام فجاء يهرول إلى شيخ الإسلام يبشره بموت أكبر أعدائه وألد أعدائه وهو ابن مخلوف يقول له / ابشر قد مات ابن مخلوف / فماذا صنع شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله؟! هل سجد سجدة الشكر وقال الحمد لله الذي خلص المسلمين من شره لم يقل ذلك ما قال كما يقول بعضنا حصاة ألقيت عن طريق المسلمين مستريح ومستراح منه لم يقل شيئا من ذلك بل يقول ابن القيم / نهرني وتنكر لي واسترجع قال (( إنا لله وإنا إليه راجعون )) / ثم قام من ثوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال / إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه / فسروا له ودعوا له من منا يصنع ذلك أيها الإخوان من منا يذهب إلى خصمه إذا مات يذهب إلى أهله و ذويه ويعزيهم ويقول لا تكون لكم حاجة إلا كنت لكم مكانه ويواسيهم من منا يصنع ذلك أصحاب النفوس الكبيرة يصنعون ذلك يتجاوزون النفس نعم أفتى بقتلك أفتى بكفرك لكن أنت أكبر من ذلك فتذهب إليه تذهب إلى أهله وتواسيهم لو تحلينا بهذه الأخلاق أيها الإخوان لاستطعنا أن نكسب كثيرا من القلوب لكننا قد نلعن هؤلاء الذين نختلف معهم نلعنهم سبعين لعنة ونتعامل مع هؤلاء ولا تصلي على أحدٍ مات منهم أبداً ولا تقم على قبره هذه الآية قالها الله عز وجل في المنافقين فقد نتعامل مع بعض من نختلف معهم من المسلمين بمثل هذا التعامل الصلف الحاد فنكون بهذا أشداء على أهل الإيمان والله وصف أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بأنهم رحماء بينهم والله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم (ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ) /159 آل عمران/. عبدالله ابن أبي رأس المنافقين قال في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين في غزوة المريسيع عند المشلل قال / ما مثل هؤلاء إلا كما قال الأول سمن كلبك يأكلك / قالها في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول ضاناً أن خزائن السماوات والأرض بيده يقول / لا تنفقون على من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينفضوا / يقول أنتم آويتموهم وأطعمتموهم فلا تنفقوا عليهم من أجل أن يتفرقوا عن بلادكم عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبحثوا عن بلد أخر تؤويهم هذا من أصحاب النفوس الصغيرة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب نفس كبيرة فلما مات ذهب إلى قبره وأعطى ابنه قميصه صلى الله عليه وسلم ليكفن به وقام على قبره يستغفر له حتى نهاه الله تعالى عز وجل عن ذلك ولما نهاه الله بقوله ( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) /80 التوبة / يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم / لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر لهم لفعلت أو كما قال عليه الصلاة والسلام / هذا في رجل لطالما أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى المؤمنين هو الذي أفك الإفك وسعى به وتولى كبره وأتهم عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبشع تهمه وقال أقبح القول ومع ذلك يعفو عنه النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي عليه ويدفع قميصه لابنه ليكفن به ثم يقوم على قبره يستغفر له والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم حاله هذا لا يفعله إلا القلوب الرحيمة القلوب الكبيرة القلوب الواسعة وليس معنى ذلك أيها الإخوان تمييع قضية الولاء والبراء فهي أصل ثابت كما ذكرت في أول هذا الكلام لكن ينبغي أن نفرق بين أمرين بين شأن الولاء والبراء و بين حظ النفس الولاء والبراء ثابت في القلب وأما النفس فدعها خلف ظهرك لا تنتصر لها ولا تقف عندها الكبار لا يليق بهم أن يدوروا حول أنفسهم فحقد مع هذا ومشكلة نفسية مع هذا وقضية شخصية مع الثالث وكما يقال وقفة نفس مع فلان وما إلى ذلك من الأمور هذا لا يصلح أن يكون داعية هذا يفسد أكثر مما يصلح يدعو على هذا في ثلث الليل الآخر ويلعن هذا ويعلن صراحة بلا مواربة للآخرة إنه لا يمكن أن يعفو عنه حتى يقف معه بين يدي حكم عدل وهو الله سبحانه وتعالى في يوم تشخص فيه الأبصار هكذا بعضهم يعبر أيها الإخوان فمن كان بهذه المثابة فهو لا يصلح للدعوة لا يصلح للدعوة عليه أن يدعوا نفسه وأن يعالج قلبه ثم بعد ذلك يسعى في إصلاح الآخرين لان هذا إن اشتغل بدعوتهم لربما يفسد أكثر مما يصلح مشكلة مع هذا وعداوة مع الثالث فتفرق المدعون عنه وانفضوا وبقي وحده ولما مرض شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله مرض الوفاة وأين في المستشفى في قصر؟! مرض مرض الوفاة في السجن وقد منع عنه كل شي حتى الأقلام والأوراق منعت منه لئلا يؤلف بتحريض من هؤلاء المبتدعة من شيوخ الضلالة ومن الحسدة كأن بعضهم قد تحرك ضميره فجاء إلى شيخ الإسلام وأين في السجن لا زال مأسورا جاء إليه يعتذر إليه ويلتمس منه أن يحلله ما قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله الآن / الصيف ضيعت اللبن / هلا كان ذلك أولاً هيهات أن أعفو عنك وأن أصفح وأن أحللك ما قال شيئا ًمن ذلك بل قل / إني أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم إني على حق / وقال / وإني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي كونه فعل ذلك مقلدا غيره / من كان بهذه المثابة أيها الإخوان قلبه يتقطع من الغل لا ينام الليل لأنه يتفطر على هؤلاء الخصوم ثم هو يموت ولم يقتص منهم ولم يأخذ بثأره ولم يتشفى من هؤلاء الأعداء يموت في السجن وهم يشمتون به ويستروحون للخلاص من شخصه ما قال الآن أموت كداً تعلم شفاء النفس قهر عدوها كما يقول بعضهم وإنما قال / قد أحللت الجميع قد أحللت الجميع / بل أكثر من هذا وقع للملك الناصر انقلاب فذهب عليه ملكه وكان الذي قد قام بهذا الانقلاب ملك يقال له المظفر ركن الدين بيبرس وكان هؤلاء العلماء والفقهاء والقضاة الحسدة الذين لم يفتئوا ولم يألوا جهد في الوشاية بشيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله كانوا قد التفوا حول هذا الملك الجديد وصاروا حاشية له وأداروا ظهورهم للأول .
لك العز إن مولاك عزا وإن يهنوا *** فأنت إلى بحبوحة الهون صائراً
فتركوه وتوجهوا من جديد إلى هذا الملك الجديد وصاروا حاشيته وجلسائه وندمائه ثم استطاع الملك الناصر أن يسترد ملكه من جديد فجاء وجلس على سرير ملكه وأحظر هؤلاء القضاة والعلماء والفقهاء وأجلسهم بين يديه وقد طأطئوا رءوسهم لا يدرون ماذا سيصنع بهم لا يعرفون كيف سيفتك بهم وينتقم منهم حينما أعرضوا عنه والتفوا حول عدوه و خصمه فهؤلاء ليس لهم وفاء في نظر هذا الملك وبينما هم كذلك وقد طأطئوا رءوسهم يضربون أخماس بأسداس إذ يطلع عليهم رجل من بعيد ولم يميزوه في بداية الأمر فلما اقترب فإذا هو شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله الذي كان في السجن قد أمر الملك بإخراجه من جديد ودعاه إلى مجلسه فأسقط في أيديهم وقالوا الآن يتم الانتقام بفتوى ونذبح على الطريقة الإسلامية كما يقال فقام الملك يمشي إلى شيخ الإسلام توقيراً وتعظيما ًفي الظاهر لشيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله ولم يكن من عادته ذلك هو يجرجره من سجن إلى سجن فقام إليه يمشي مظهراً لتعظيمه ثم عانقه وأخذه إلى شرفة وناحية في القصر وسارره جلس يتحدث معه سرا وماذا قال له قال له / ما تقول في هؤلاء / يقول شيخ الإسلام / فعلمت أنه قد حنق عليهم وأنه أراد أن ينتقم لنفسه / لاحظ الفقه؟! أراد أن ينتقم لنفسه لا ينتقم لشيخ الإسلام ولا للدين وإنما لان هؤلاء قد تركوه وأعرضوا عنه يقول فعلمت أنه قد حنق عليهم وأراد أن ينتقم لنفسه فيقول / فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك ولا قام الملك إلا بهم فهم قضاة البلد وفقهائه / يقول فأخرج لي أوراق وقراطيس من جيبه فيها فتاوى بخطوطهم يقول / أنظر ماذا قالوا فيك كفروه وأفتوا بقتله / هذه محفوظة بملفات آن الأوان لإخراجها لفضحهم لينتقم لنفسه المضنون لو كان الإنسان صاحب نفس صغيرة أن تأخذه العزة بالإثم ويستطيع بكل سهولة أن يتدثر بدثار السنة والدفاع عن العقيدة أن هؤلاء مبتدعه نخلص منهم البلاد والعباد فماذا قال شيخ الإسلام؟! / أما أنا فهم في حل من جهتي قد عفوت عنهم / يقول فسكنت ما عنده هدئه ثم بدا شيخ الإسلام بعد ذلك يبث علمه في المساجد وفي الحلق والمجالس وكثر أتباعه ومعاصروه ومؤيدوه وبدا أولئك الذين كانوا يتحركون في الكيد له ويطمعون في النيل منه بدئوا يتلطفون به ليعتذروا إليه من سابقتهم فماذا كان يقول؟ ما كان يقف مع كل واحد ويقول هيهات أو يحقق معه ما الذي قلت ما الذي حملك على ذلك لا كان يقطع ذلك جميعاً ويقول / قد جعلت الكل في حل مما جرى/ ما قسم الناس فسطاطين فسطاط الأولياء الذين نصروه وكانوا معه في وقت الشدة وفسطاط الأعداء الذين يستحقون كل ذم وويله ما قسم الناس وأمتحنهم هذا الامتحان كان يقول / ليطووا هذا البساط / وكتب رسالة إلى أصحابه و إخوانه في دمشق يذكرهم بهذا المعنى يقول / أول ما أبدا به ما يتعلق بي فتعلمون أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشي أصلاً لا باطناً ولا ظاهراً ولا عندي عتب على أحدٍ منهم ولا لوم أصلاً بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف مكانه كل بحسبه ولا يخلو رجل إما أن يكون مجتهداً مصيباً أو مخطئاً مذنباً الأول مأجور والثاني مشكور مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له والثالث فالله يغفر لنا ولـه ولسائر المؤمنين . . يقول فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل كقول القائل فلان قصر فلان ما عمل فلان أوذي الشيخ بسببه فلان كان سبب هذه القضية فلان كان يتكلم في كيد فلان ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان فإني لا أسامح من أذاهم من هذا الباب . . ثم يقول وتعلمون أيضا أن ما يجري من نوع تغليظ أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان فليس ذلك غضاضة ولا نقص في حق صاحبه ولا حصل بسب ذلك تغير منا ولا بغض بل هو بعد ما عُمل به من التغليظ والتخشين أرفع قدراً و أنبه ذكراً فأحب وأعظم وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة لكن ذلك يوجب من النظافة ولنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين . . ثم يذكرهم بالتعاون على البر والتقوى . . ويذكرهم أيضاً بأن هؤلاء الذين غابوا عنه ولم يحضروا ولم يسلموا عليه ولم يهنئوه على الخروج من الحبس أن هؤلاء لا يلحقهم لوم ولا عتب وأن لهم من المنزلة والمكانة أضعاف أضعاف ما كان قبل ذلك . . ويقول لهم مثل هذه القضايا يقع فيها من الاجتهاد فمن كان مجتهداً في طلب الصواب فهو مأجور والله عز وجل يغفر له خطئه ويقول في مثل هذه المحن يحصل أشياء من نزعات الشيطان فينبغي أن نترفع عن هذه الأشياء . . ويقول هذه أمور قد كثر فيها الكذب والمقالات المتنوعة ويوصيهم ويذكرهم بقصة الإفك( لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم) /11 النور/ لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم . . يقول ولقد أظهر الله الحق وبينه . . يقول فلا أحب أن ينتصر من أحدٍ بسبب كذبه علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم وإنما أحب الخير لكل المسلمين وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي وأما في حق الله فالله يتولى الجميع إن شاء غفر لهم و إن شاء عاقبهم . . يقول ولو كان أحداً يشكر على سوء صنيعه لشكرت هؤلاء على سوء صنيعهم معي!! / من منا يفعل هذا من منا يتعامل مع الخصوم بهذه الطريقة . . أيها الإخوان و لذلك كان ابن مخلوف يقول وهو عدوه المالك الذي ذكرته أنفا كان يقول / ما رأينا مثل ابن تيميه ما تركنا شي في السعي فيه و لما قدر علينا عفا عنا / . . بهذا نستطيع أيها الإخوان أن نكسب قلوب الناس نكسب قلوب الأعداء فضلاً عن الأصحاب و الأصدقاء حينما يكون حول العالم أو طالب العلم أو الداعية مجموعة من طلابي وتلامذتي فيتعامل معهم بطريقة تنهبط فيها نفسه ويتعلق بحظوظه النفسية الخاصة فإن هؤلاء لا يمكن أن يستطيعوا أن يصبروا على الاستمرار والدوام معه ولا يمكن أن ينتجوا عملاً تنتفع به الأمة لأن هؤلاء سرعان ما ينفرط العقد ويتفرقون ويتحولون إلى أعداء يكاشرونه بالعداوة بل أن شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله انفرد به بعض أهل البدع في ناحية من نواحي القاهرة وضربوه وشتموه فتسامع الناس بذلك فخرج كثيرا من الأمراء والقادة والجنود والعامة والوجهاء يبحثون عن شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله فوجدوه في مسجد على البحر فتجمعوا عنده وتتابع آخرون صاروا يتلاصقون ويتسامعون فاجتمعوا عنده وقالوا له / يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية لو أمرتهم أن يهدموا مصراً كلها لفعلوا / ما قال لهم نعم أنتم أنتم الذين تعرفون قدر علمائكم ولا خير في أمة لا تعرف قدر علمائها هؤلاء أهل بدع وضلالات احرقوهم و أريحوا الناس منهم ما قال هذا الكلام القضية تتعلق بشخصه هو فماذا قال؟؟ قال لهم / لأي شي / قالوا لأجلك قال لهم / هذا ما يحق / قالوا نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين أذوك يعني لا نخرب الأحياء بأكملها نذهب إلى بيوتهم فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الناس . . لاحظوا الملحظ الآخر الذين جاءوا من أجله في البداية الانتصار لشيخ الإسلام فرفض . . ثم أعادوا الكرة بثوب أخر أنهم أثاروا فتنة وشوشوا على الناس فقال / هذا ما يحل / فقالوا فهذا الذي فعلوه لك هل يحل هذا لا نصبر عليه لابد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا فكان ينهاهم ويزجرهم عن ذلك فلما أكثروا عليه قال / أما أن يكون الحق لي أو لكم أو لله فإن كان الحق لي فهم في حل وإن كان لكم فإن لم تسمعوا ولم تستفتوني فافعلوا ما شئتم وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كيف شاء / فقالوا هذا الذي فعلوا بك هل هو حلال قال / هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه / قالوا فتكون أنت على الباطل وهم على الحق كيف تقول إنهم يأجرون على ذلك فقال / ما الأمر كما تزعمون فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين فافعلوا ذلك باجتهادهم والمجتهد المخطئ له أجر/ . . ناس يضربوه ويشتموه و يؤذونه ببدنه ومن أهل الضلالات والأهواء والبدع ويقول / إنهم قد يؤجرون/!!! أين نحن من مثل هؤلاء بل خرج عليه رجل من هؤلاء المبتدعة رجل متفقه فانفرد بشيخ الإسلام في محلة وناحية لم يكن هناك أحد فأساء الأدب إلى شيخ الإسلام وأسمعه ما يكره وشتمه فعلم الناس بذلك وبدأ يأتون لشيخ الإسلام يريدون الانتصار له فسمع ذلك الرجل فبدا يتلطف ويرسل الوسائط يظن أن شيخ الإسلام سينتصر لنفسه فكان شيخ الإسلام يرد بعبارة مختصرة يقول / أنا ما أنتصر لنفسي / يعني دعوا هذا الرجل يطمئن ويرتاح وينام قرير العين أنا ما أنتصر لنفسي هؤلاء قوم يختلف معهم شيخ الإسلام في مسائل تتعلق بالعقيدة والمنهج كما يقال أما الخلاف في المسائل الفرعية فهذا يكون الحكم فيه كما سبق سعة الصدر وهو أحرى بذلك وأولى لان الخلاف في المسائل العلمية الاجتهادية الفرعية أمر سائغ ولا يلحق المخالف فيه تضليل ولا تبديع ولا ينسب إلى هؤلاء إذا كان يقصد الحق لطالما اختلفوا في مسائل الاجتهاد ولكن أصحاب النفوس الصغيرة لربما احتدم النقاش معه فصار يلقاك بوجه أخر و ابتسامة مائلة من شق واحد يضمر لك ضغينة ويحمل عليك في نفسه لأنه قد اختلف معك في مسألة من مسائل الفروع . . هذا الشافعي رحمه الله يقول عنه يونس الصدفي ناظرته يوما وهو يصفه بقولـه / ما رأيت أعقل من الشافعي / ناظرته يوما في مسألة ثم افترقنا و لقيني فأخذ بيدي ثم قال / يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة / وخذ هذا المثال الأخر العجيب العالم الوزير ابن هبيره رحمه الله نال العلم والفقه والوزارة معا كان له مجلسا ًحافل بالعلماء من أرباب المذاهب الأربعة وبينما هو في مجلسه تذكر مسألة من مفردات الإمام أحمد يعني أن الإمام أحمد تفرد في هذه المسألة عن الأئمة الثلاثة الشافعي, و مالك, وأبي حنيفة فقام فقيه من فقهاء المالكية يقال له أبو محمد الأشيري فقال : بل هذه للإمام مالك . فقال ابن هبيره رحمه الله هذه الكتب وإذا هي تنص على أن هذه المسألة من مفردات الإمام أحمد فقال أبو محمد الأشيري بل قال بذلك الإمام مالك فتكلم العلماء الذين حضروا المجلس وقالوا بل هي من مفردات الإمام أحمد قال بل قال بذلك الإمام مالك فغضب ابن هبيره وقال : أبهيمة أنت أما تسمع هؤلاء العلماء يصرحون بأنها من مفردات الإمام أحمد والكتب شاهدة بذلك ثم أنت تصر على قولك فتفرق المجلس . . هب أنك في هذا المجلس هب أنك أحد الطرفين في مكان ابن هبيره أو في مكان الأشيري ما هو في مجلس علماء لو كنت أنت وهذا الإنسان ليس معكما ثالث وقال لك بهيمة أبهيمة أنت هل ستلقاه بعدها هل ستأتي إلى مجلسه هل ستحضر معه ثم لو قال لك ذلك أمام الآخرين هل تنام تلك الليلة هل تفكر بالرجوع إليه لما انعقد المجلس في اليوم الثاني جاء الفقيه المالكي وحضر كأن شيئاً لم يكن وجاء ابن هبيره وجاء العلماء فأراد القارئ على عادته أن يقرأ ثم يعلق الوزير ابن هبيره فقال له / قف فإن الفقيه الأشيري قد بدر منه ما بدر بالأمس وحملني ذلك على أن قلت له ما قلت فليقل لي كما قلت له . . لاحظ / فليقل لي كما قلت له / فلست بخير منكم ولا أنا إلا كأحدكم / فكيف كان أثر ذلك الكلمات أيها الإخوان وهي مجاناً لا تخسر عليها شي! تجاوز بس هذه النفس تغلب عليها ضج المجلس بالبكاء تأثروا جدا من هذه الأخلاق العالية الرفيعة وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء وجعل هذا الخصم الأشيري جعل يعتذر ويقول / أنا المذنب أنا الأولى بالاعتذار/ والوزير ابن هبيره يقول / القصاص القصاص / فتوسط أحد العلماء وقال يا مولانا إذا أبى القصاص فالفداء قال الوزير / له حكمه يحكم بما شاء أحكم بما تريد / فقال : هذا الضحية نعمك علي كثيرة فأي حكم بقي لي فقال قد جعل الله لك الحكم علينا بما ألجأتنا به إلى الافتيات عليك فقال : علي بقية دين منذ كنت بالشام فقال الوزير ابن هبيره يعطى مائه دينار لإبراء ذمته وذمتي فأحضر له المال وقال له ابن هبيره عفا الله عنك وعني وغفر الله لك ولي / هل نحن كذلك إذا كنا في مجلس وحصلت قضيه مثل هذه كيف ستكون نتائجها عداوة إلى يوم الدين وقلب يتقطع ونفس حرقى حري على هذا الإنسان نسأل الله العافية كلمات لم يخسر فيها شيئاً بل ازداد رفعة نحن نتحدث عنها بعد قرون بعد مئات السنين لو أنه بقي مع نفسه فكيف سيكون حال هذه الصلة والعلاقة ترفعوا أيها الإخوان ارتفعوا ارتفعوا ارتفعوا إلى أعلى حلقوا إلى أعلى النفس يجذبها الطين فتجردوا من الأهواء والحظوظ النفسانية هذا في مسائل العلم أما في أمور المعاش والعلاقات الاجتماعية والتجارية وغير ذلك مما يعافسه الإنسان صباح مساء ولا بد أن يجد فيه ما يجد من تقصير في حقه ومظلمة وإساءة وكلمه لربما لا يتحملها كثير من الناس فكيف تصنع اسأل نفسك أنت لا تبحث في ذهنك وتذهب إلى إنسان أخر اسأل نفسك ما موقفك حينما يبلغك أن فلان من الناس يتكلم في حقك ويقع في عرضك كيف تصنع هل تعزم على عداوته ومقاطعته الشافعي رحمه الله يوصينا بوصية في هذا المقام يقول / إذا بلغك عن صديق لك ما تكرهه فإياك أن تبادره بالعداوة لا تحكم مباشرة وتتخذ هذا الإجراء فتقطع الولاية فتكون ممن أزال يقينه بشك الثقة حاصله متيقنة وهذا شك عارض فلا يذهب اليقين بالشك ولاكن القه قابله وقل له بلغني عنك كذا وكذا واحذر أن تسمي له المبلغ فإن أنكر ذلك فقل له أنت أصدق وأبرا إذا قال لا أنا ما قلت فلا تحصره في زاوية ضيقه كما يفعل بعض الناس لا تفعل وإنما قل له أنت أصدق وأبرا عندي ولا تنقر ولا تحقق وتجاوز ذلك / يقول وإن اعترف بذلك قال / نعم أنا قلت فقبل أن توجه إليه سؤال أخر يقول إن رأيت له في ذلك وجهاً لعذر يعني أنت قدرت عذراً فأقبل منه وإن لم ترى له عذراً فقل له ماذا أردت بما بلغني عنك ماذا أردت بهذا الكلام الذي قلته في هذا المجلس فإن ذكر ماله وجهاً من العذر فأقبل منه وإن لم ترى له بذلك وجهاً من العذر وضاق عليك المسلك فحين إذن أثبتها عليه سيئة زلة ثم ماذا خطاء ثم أنت بعد ذلك بالخيار إن شئت كافأته بمثله من غير زيادة وإن شئت عفوت عنه والعفو أقرب للتقوى وأبلغ في الكرم لقول الله تعالى ( وجزاؤا سيئةٍ سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله )/ 40 الشورى/ فإن نازعتك نفسك بالمكافئة ففكر فيما سبق له لديك من الإحسان فعدها ثم أبدر له إحساناً بهذه السيئة ولا تبخسن باقي إحسانه السالف بهذه السيئة فإن ذلك الظلم بعينه يا يونس هو يوصي بذلك يونس الصدفي إذا كان لك صديق فشد يديك به فإن اتخاذ الصديق صعب ومفارقته سهلة / والمشكلة أيها الإخوان أحياناً أن الإنسان يحمل الكلام على أسوا المحامل والطرف الآخر لم يعلم بذلك وهو خالي القلب تماماً ولم يخطر له على بال هذه الظنون الأخرى التي ذهب بها فلان و لربما ذاك يتقطع غيظاً وحنقاً ولم يبت تلك الليلة و الأخر لم يفكر في شي من ذلك لا في قليل ولا في كثير نيته سالمة صحيحة لم يقصد الإساءة والناس يتفاوتون في هذا منهم من قد يحمل الإحسان نسأل الله العافية إلى إساءة والكلمة الطيبة إلى جرح ومنهم من يحمل الكلام الموهم المحتمل إلى المحامل السيئة ومنهم من يحمل الكلام الرديء على أحسن المحامل و الله عز وجل قد فاوت بين الخلق فكما وزع بينهم الأرزاق وزع بينهم الأخلاق وقد صدق رجاء بن حيوه رحمه الله حينما قال / من لم يواخي إلا من لا عيب فيه قل صديقه ومن لم يرضى من صديقه إلا بالإخلاص له دام سخطه ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه / والإنسان ظلوم جهول لا بد تصدر منه أخطاء وتقصير فإذا كان ينقر معك على كل قضية وكل كلمة وكل تصرف فهذا لا شك أنه أمر صعب جداً أيها الإخوان سل نفسك ما موقفك مِن مَن وشيا بك وشاية سيئة سعى فيك وأراد الإيقاع بك والإساءة إليك ما موقفك منه هذه صفية أم المؤمنين لها جارية ذهبت إلى عمر متبرعة بوشاية وفريه صفية بنت حيّي كانت من اليهود وأسلمت وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي من أمهات المؤمنين ففي خلافة عمر ذهبت جارية لها إلى عمر تتبرع بوشاية تقول \" إن صفية تحب السبت وتصل اليهود\" هذه تهمه هذه التهمة تعني ما خلاصته أنها لا زالت تحتفظ بلوثة يهودية السبت هو يوم اليهود عيد اليهود فمعنى ذلك أنها تعظمه بلوثة ورواسب بقيت في نفسها تحب السبت وتصل اليهود فعمر رضي الله عنه لم يعجل عليها ولم يقبل هذه الوشاية على أنها حقيقة ثابتة استدعى صفية وسألها عن ذلك فقالت / أما السبت فلم أحبه منذ أن أبدلني الله به الجمعة وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً هم أقاربها فأنا أصلهم / ثم قالت للجارية ما حملك على ما صنعتي لماذا فعلتي ذلك ما تفرغت بعد ذلك للجارية وأرادت أن تصفي الحساب معها قالت / ما حملك على ذلك قالت : الشيطان قالت : فذهبي فأنتي حره / انتهى كل شي / اذهبي فأنتي حره / انتهت المشكلة وسل نفسك لو أنك رجعت إلى بيتك و وجدت أن البيت قد كسر وأن المتاع قد سرق أو وضعت يدك في جيبك فوجدت أن ما تحتفظ به من نقود و أوراق قد نشلت وسرقت خرجت إلى سيارتك فإذا هي قد كسرت وأخذ ما بها ونشر زجاجها على قارعة الطريق ماذا تصنع هل تدعو على هذا الفاعل السارق المجرم بأن يشل الله يده ورجله ويأخذ بصره وسمعه ويجمد الدم في عروقه وأن يجعله يتمنى الموت ثم لا يجده هكذا نفعل أحياناً أما ابن مسعود ومن كان على شاكلته من أصحاب النفوس الكبيرة فلم يكن يصنع ذلك خرج من بيته ووضع النقود في طيه من طيات عمامته وجلس عند بائع فأشترى منه طعاماً ثم قال بيده هكذا فوجد أن النقود قد سرقت فقال ابن مسعود / لقد جلست وإنها لمعي / أستغرب فوجئ فتجمع مجموعة من الناس كالعادة لمناصرته والتفاعل معه وإبداء المشاعر والأحاسيس التي يوافقونه أو التي يواسونه بهذا المصاب الذي وقع له فجعلوا يدعون على هذا السارق اللهم اقطع يد السارق الذي أخذها الله افعل به كذا اللهم افعل به كذا وجلس كل واحد منهم يدعو أما ابن مسعود فقال / اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة فبارك له فيها وإن كان حملته جراءة على الذنب فجعلها أخر ذنوبه / بس ما فيها لا اقطع يده ولا رجله ولا شل أركانه ولا خذ بصره ولا سمعه ولا اجعله يتمنى الموت ولا يجده ولا تجميد الدم في العروق ولا شي من ذلك إطلاقاً دعاء له بهذه الدعوات الطيبة دعا له ما دعا عليه ما موقفك لو أنك خرجت أو دخلت وصادقك إنساناً لم يحفظ لك حقا ولم يراعي لك حرمة فوجه إليك سهماً من لسانه فشتمك وأسمعك ما تكره ماذا تصنع ترد عليه بالمثل تنتقم يتحول إلى عدو أصحاب النفوس الكبيرة في هذا الموقف يا إخوان يتذكرون قول الله عز وجل ( أدفع بالتي هي أحسن )/ 34 فصلت /أدفع بالتي هي أحسن فهذا شعارهم فالمقصود أيها الإخوان أن ريحانة العابدين زين العابدين علي ابن الحسين رحمه الله من أكابر التابعين كان في مجلسه وعنده أصحابه وأصحابه من العلماء والأشراف والوجهاء وجميع طبقات المجتمع مجلس حافل لأنه رجل عالم أبو الفقراء يفزع للناس في نوائبهم فكان جالسا ًوكان بينه وبين ابن عم له وهو حسن ابن حسن ابن علي ابن أبي طالب كان بينهم شيئاً مما يكون بين الناس فحسن ابن حسن لم يتمالك وخرج عن طوره وجاء يبحث عن زين العابدين فوجده جالساً مع أصحابه في المسجد فجاء إليه وما ترك شيئاً إلا قاله في حقه من الشتم وقبيح القول وعلي ابن الحسين ساكت لا يرد بشي فلما تشفى منه انصرف ثم ذهب علي ابن الحسين أكمل مجلسه ثم ذهب إلى بيته فلما كان الليل ذهب زين العابدين إلى بيت حسن ابن حسن في مثل هذه المواقف المتوقع انه يخفي مسدسا ليؤدبه لم يفعل شيئاً من ذلك جاء إلى بيته وطرق عليه الباب فلما خرج حسن ابن حسن قال له / يا أخي إن كنت صادقاً فيما قلت فغفر الله لي إن كنت أنا كما وصفتني فغفر الله لي وإن كنت كاذباً فغفر الله لك السلام عليكم / وتركه فهشمت هذه الكلمات العداوة المستحكمة في نفس حسن ابن حسن ولم يتمالك مشاعره فتحولت مشاعر العداوة والبغض والكراهية والغضب إلى مشاعر أخرى معاكسة فجعل يتبعه ويجري خلفه وألتزمه من خلفه وجعل يبكي حتى رفيا له ثم قال/ لا جرم لا عدت في أمر تكرهه / فقال له علي ابن الحسين / وأنت في حل مما قلت لي في ليلتها / ما ذهب يتكلم ويبحث عن الفرص للانتقام فهل نحن يا إخوان نفعل ذلك جاءك إنسان وشتمك كنت في مجلس في مناسبة في صالة أفراح وتسلط عليك إنسان وأسمعك قبيح القول ما موقفك من هذا الإنسان إن كنت من أصحاب النفوس الكبيرة فتتجاوز النفس ولهذا كان بعضهم يقول لمن يشتمه ويبالغ في شتمه / يا هذا لا تفرط في شتمنا وأبقي للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه / لو أن إنساناً اعتدى عليك مباشرة بالضبط أو الجرح أو حاول قتلك أو دس لك السم أو غير ذلك كيف تصنع معه عمر ابن عبد العزيز رحمه الله خامس الخلفاء الراشدين مرض مرض الوفاة وسأل مجاهداً قال : ما يقول الناس في مرضي قال يقولون : مسحور قال : لا ثم دعا غلاما قال : ويحك من حملك على أن سقيتني السم لماذا أسقيتني يريد أن يبين له السبب فقال : ألف دينار أعطيتها وأن أعتق فقال : هاتها فأخذها ووضعها في بيت المال ثم قال له : اذهب فأنت حر لا يراك أحد هذا سم الخليفة الآن ويعرف أنه هو الذي فعل هذا واعترف فماذا صنع به قال له اذهب فأنت حر : والإمام مالك رحمه الله ضرب جلد حتى تخلعت يداه وكان يصلي مسدل اليدين لما يجد من الألم فلما جاء المنصور الخليفة العباسي وحج و جاء إلى المدينة أراد أن يتجمل عند الإمام مالك فطلب من الإمام مالك أن يقتص ممن حبسه وضربه وهو جعفر ابن سليمان فماذا قال الإمام مالك هل قال فرصه لا يمكن أن تضيع لا قال معاذ الله ما قال هذا واحد من الظلمة نقتص منه ونؤدبه لا قال / معاذ الله الكبير لا ينتقم لنفسه ولهذا ما انتقم النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه قط / وهذا مثال أخر هذا الوزير ابن هبيره الذي ذكرت لكم طرفاً من خبره / دخل رجلاً يسأل في مجلسه فغضب ابن هبيره و قال للحاجب : أما قلت لك أعطي هذا عشرين دينارا ووقى من الطعام وقل له لا تحضر عندي فقال: قد أعطيناه فقال: عد وأعطه وقل لا تحضر فلما انصرف الرجل قال ابن هبيره لأصحابه : هل عجبتكم من هذا الجواب والرد الذي رددت به قالوا: نعم قال : هذا الرجل الذي رأيتم قبل قليل كان شحنة في القرى يعني أنه من الحاشرين يعني يرسل ليحضر أناس في قضية في جناية في تحقيق يأخذ رؤساء القبائل يأخذ وجهاء البلد أو القرية ويحضرهم للسلطان فكان شحنة في القرى فقتل قتيلاً من ناحية البلد التي فيها ابن هبيره فجاء هذا الرجل وأخذ مشايخ القرى وأخذ ابن هبيره مع الجماعة وابن هبيره على قدمه والرجل على فرس فجعل يؤذي ابن هبيره ويمشيه مع الفرس ثم ربطه ثم أخذ من كل واحد من هؤلاء قدراً من المال وسرحهم فوضى ثم بعد ذلك جاء لابن هبيره وقال : هات ما معك قال ما معي شي يقول فنتهرني وضربني مقارع على رأسي يقول ولم أنقم عليه شي من ذلك لكني كنت استأذن أن أصلي الفرض فأبى أن يأذن لي فأنا أنقم عليه لأنه رفض أن يسمح لي بالصلاة صلاة الفريضة حيث أدركتني في الطريق يقول بعد ذلك ابن هبيره جاء به و ولاه على بعض العمل أصلاح معايش الأمراء يعني أملاكهم الخاصة يديرها ما انتقم منه وقال هذه الفرصة الذهبية لا أعطاه وأكرمه وولاه وما أنتصر لنفسه / . . كما أشترك ابن هبيره رحمه الله هذا صاحب القلب الكبير قديماً قبل الوزارة مع رجلاً أعجمي في زراعة فوقع بينها شي فقام هذا الأعجمي وضرب ابن هبيره ضرباً مبرحاً فلم ولي الوزارة استدعاه طبعاً المتوقع التأديب و التعزير والانتقام بل والقتل أبداَ جاء به وأعطاه و وهب له وولاه ولايتاً / ويقول عنه تلميذه ابن الجوزي رحمه الله يقول / كان يملي علينا كتاب الإفصاح فجاء رجلان احدهما قد أسر الرجل الأخر يقوده معه يقول: هذا قتل أخي فأقدني منه أريد أن أقتص فقال ابن هبيره أقتلته قال : نعم جرى بيني وبينه مشادة فقتلته فقال: الخصم سلمه لي فقد أقر بالقتل قال: ابن هبيره أطلقوه ولا تقتلوه فقالوا: كيف ذلك وقد قتل أخانا قال: فبعه لي فشتراه منهم بأضعاف الدية بست مائه دينار وسلم الذهب لهم فلما ذهبوا قال له: أجلس فجلس عنده وأعطاه خمسين ديناراً ثم ذهب فتعجب ابن الجوزي ومن معه قالوا: كيف تصنع معه هذا رجل قتل إنسان ادفعه إليهم يقتلوه لماذا تبالغ في دفع الدية وتعوضهم هذا التعويض ثم تعطيه فقال: هل تعلمون أني لا أبصر بعيني اليمنى منذ أربعين سنة قالوا لا قال: هذا الرجل مربي قبل أربعين سنة ومعه سلة فاكهة فقال: احملها وكان معي يقول كتاباً في الفقه فقلت: ليس هذا بعملي ابحث عن حمال يقول: فغضب ولكمني و لطمني و ضربني وقلع عيني ومضى ولم أراه إلا هذه الساعة لاحظ الآن هذا الرجل قاتل يقتص منه والحمد لله لا تقتص أنت منه ولا تقتل ولا تنتقم دعهم يقتصون \"يداك أو كتا و فوك نفخ \"جنيت على نفسك الحمد لله الذي أوقعك بسوء عملك لا فداه وأعطاه وأكرمه /. من منا يا إخوان يفعل ذلك يقول أردت أن أقابل إساءته بإحسان لو صادفت سباباً شتاماً في مكان في مدرستك في عملك في السوق فقال لك كما قال للأحنف ابن قيس / لأن قلت واحدة لتسمعن عشرا / يقول ترى أخلاق شوارع لسان شوارع كلمه تقولها تسمع عشرا يقول له لست بناقص للبذاءة فماذا قال ابن هبيره قال : نرد عليك بألف واقطع لسانك أبدا قال لأنك إذا قلت عشرا لنتسمع واحدة قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم\" إن الجواب لباب الشر مفتاح فالعفو عن جاهلاً أو أحمقاً أدب نعم وفيه لصون العرض إصلاح إن الأسود لتخشى وهي صامتاً والكلب يحثى ويرمى وهو نباح \" وأنت أيها الداعية كيف تتصرف حينما يتصرف أحد المدعوين نحوك بتقصير أو بكلمه أو بفعل لا يليق كيف تصنع تعاديه تجانبه تهجره تأمر أصحابك بأن يقاطعوه و يهجروه تتخذ منه موقفاً هو في سبيله وأنت في سبيلك من أجل نفسك هذا لا يليق أيها الإخوان أخرج الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه / كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه وأدموه وهو يمسح الدمع عن وجهه ويقول ربي اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون / لو ضربك أحدا المدعوين فأدماك ماذا تقول عنه تدعو عليه تلعنه تضربه اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون أنت أيها المسئول أيها المدير في المدرسة في الشركة إذا جاك أحد المراجعين ويتكلم بنفس مشحونة وبلغة مستعلية يتكلم معك كأنك أجير عنده كيف تصنع جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجذب ردائه حتى أثر في رقبته يقول: أعطني فإنك لا تعطي من مال أبيك ولا أمك . . هذه لو قالها لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم لسبقه رأسه قبل أن يكمل هذه الأحرف فماذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم عاداه أتخذ منه موقفا أبدا أعطاه وأعطاه وأعطاه حتى رضي . هذه أخلاق الأنبياء نحن أيها الإخوان في هذا المسجد يا معاشر المصلين لو أن أحد الأطفال الموجودين الآن وقف على هذه الطاولة وجلس يتبول أعزكم الله أو جاء رجل كبير وذهب إلى ناحية في المسجد الآن وجلس يتبول ماذا سنصنع به كان لا يدري هو في يدي من نسأل الله العافية هذا يضربه وهذا يلعنه والذي لا يستطيع الوصول إليه يتابع له السب والشتم ويرشقه بقبيح القول جاء رجل إلى المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وعمد إلى ناحية من نواحي المسجد وشج يبول ما وجد مكان إلا المسجد فنهره الصحابة فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال / لا تزلموه بولـه / لا تقطعوا عليه البول لئلا يتضرر تقطع عليه البول في النصف يتضرر دعوه يكمل ثم أمر بذنوب من الماء فصب عليه بسجل من ماء فصب عليه ثم علمه وقال: هذه المساجد لا يصلح فيها شي من أذى الناس . انتهت المشكلة ما أصابه ضرب ولا داسوه بالأقدام ولا سحبوه برجله وأخرجوه من المسجد ولا حبسوه ولا فعلوا له شي أخر ما يصلح فيها شي من أذى الناس فمثل هذا الإنسان مملك حبه بهذا يقول بأبي هو وأمي والله / ما كهرني ولا نهرني ما رأيت معلماً مثله/ فهل نحن كذلك مع الطلاب مع المدعوين مع المصلين تخيل لو أن الإمام في مسجدك تأخر في السجود ثم رفعتم رؤوسكم فرأيتم أطفال الإمام فوق ظهره يلعبون ماذا ستقولون للإمام وماذا ستقولون لهؤلاء الأطفال بعد ما تسمع هذا الإمام ما يكره تذهبون زرافات و وحدان إلى الأوقاف ليفصلوا هذا الإمام و يؤدبوه يأتي بأطفاله يلعبوا فوق ظهره وهو يصلي في المحراب في الروضه ما وجدوا شيئاً يلعبون به و يلتهون به النبي صلى الله عليه وسلم تأخر في السجود فرفع بعضهم رأسه فوجد الحسن أو الحسين على ظهره صلى الله عليه وسلم فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته بين لهم سبب التأخر وقال / إن ابني قد إرتحلني جعلني راحلة يلعب فوق ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أعجلة / كره أن يستعجل على هذا الولد ونحن مباشرة إذا رأينا طفلاً يتحرك حركة بسيطة جنبوا صبيانكم واجانينكم المساجد وهو حديث لا يصح لا أصل له وبدأنا مسكين الأب لهذا الطفل وجهه يحمر ويصفر قد تكون عنده ظروف قد يكون في حال يرثى لها يحتاج إلى مواساة قد تكون أمهم في حال من المرض فخرج بهم قد تكون هذه الأم تعيش مشكلة وأزمة نفسية فخرج بهؤلاء الأطفال عنها ثم نحن نصنع به ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر ينزل من المنبر لما رأى الحسن أو الحسين يقوم ويقع يخب في ثوبا أحمر فنزل النبي صلى الله عليه وسلم قطع الخطبة وضمه إليه وحمله وذهب به إلى المنبر وقال صدق الله ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) لما رأيت أبني هذا يقوم ويقع لم أحتمل حتى احتملته / لو فعلها الإمام الخطيب يوم الجمعة أخذ ولد بنته وحمله بهذه الطريقة كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويحمل أمامه بنت بنت النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام حملها وإذا سجد أو ركع وضعها على الأرض وهكذا طول الصلاة لو فعله الإمام ماذا نصنع به يا إخوان هذه أخلاق أخلاق يتربى عليها الجيل يتربى عليها الصغار يعيشون في كنف هؤلاء بنفوس أبية عالية يجدون من يحتضنهم أما أن نكفهر في وجوهه إخواننا وأن نعاملهم معاملة فظة بصلافه فهذا لا يكون أيها الإخوان من أصحاب النفوس الكبيرة إذا وجدت إنسان تعاملت معه و ابتليت به في شراكة في معامله وأراد أن يدخلك في مهاترات هل تنزل معه كان مالك رحمه الله يصف القاسم بن محمد من علماء التابعين يقول: قد يكون بينه وبين رجلاً من الناس مدارات في الشي فكان القاسم يقول /هذا الذي تريد أن تخاصمني فيه هو لك فإن كان حقاً فهو لك فخذه ولا تحمدني فيه وإن كان لي فأنت منه في حل/ وهو لك بس أتركني لا أنزل معك لا أهبط بأخلاقي وتقع المهاترات على أشياء تافهة أنت أيها الزوج كيف تتصرف حينما تتعذر العشرة بينك و بين امرأتك بعض الأزواج يضيق عليها ويشدد الخناق بل بعضهم ولا أبالغ أيها الإخوان قد يفصل الكهرباء من البيت ليضطر هذه المرأة من التضييق والأذى لتطلب الطلاق هي لتفتدي منه فتدفع له ما خسر كما يزعمون تدفع له المهر والتكاليف التي دفعها في زواجه وقد استمتع بها و لربما أكل شبابها فأين المروأت حينما يقف الإنسان ولا رغبة له في المر أه يقف وكأنما يجلس على الجمر لكراهيته لها والبقاء معها من أجل أن تطلب هي الطلاق وقد تعذرت العشرة فحينما يقع ذلك كيف تتصرف هذا جبير بن مطعم تزوج أمراءه فسمى لها صداقاً وطلقها قبل الدخول ثم تلى هذه الآية ( إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) فقال / أنا أحق بالعفو فسلم إليها الصداق كاملاً مع أنه يستحق نصف الصداق / لو أن هذه الزوجة تصرفت معك تصرف لا يليق هل ينبثق ذلك عن أحقاد هل ترميها بالثلاث كما يفعل بعضهم هل تضربها هل تعذبها هل تهجرها هجراً مليئاً بعض النساء تقول: يهجرني من سنوات وبعضهن تقول: أصبت بالصرع المتكرر من كثرة ما يضربني على رأسي وبعضهم تقول: يدخل بشتم ويخرج بشتم من غير سبب نقول تجنبي الأمور التي تثيره تقول: هو يأتي ثائراً أصلاً لم أترك شيئاً إلا صنعته معه ويغضب على أتفه الأسباب و لربما في مناسبات لا يليق فيها هذا الصنيع ليلة العيد صبيحة يوم العيد بعض النساء تتصل تسأل طلقني بالثلاث في صبيحة يوم العيد لأني كنت أوقظه ليأكل ما أعددته له من طعام ثم يخرج إلى المسجد فتقول فرماني بالثلاث وقام إلي ونثر الطعام في المطبخ وضربني ضرباً مبرحاً وشتمني وشتم أهلي في صبيحة يوم العيد . نسأل الله العافية وماذا صنعت هل جزاء الإحسان إلا الإحسان النبي صلى الله عليه وسلم قالت له عائشة أنت الذي تزعم أنك لرسول الله كلمة كبيرة فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد أيها الإخوان على أن تبسم ما زاد على أن تبسم لو قالت لك زوجتك أنت تعتبر نفسك رجل صاحب مروءة ماذا تصنع بها أظن لحمها سيختلط بثيابها لا أ ظنها تسلم نفسها وتخرج حية في ذلك الموقف النبي صلى الله عليه وسلم عنده أصحابه فأرسلت له إحدى زوجاته وكانت تجيد صنع الطعام أرسلت له قصعة فيها طعام فتحركت غيرة الأخرى وقد جاءت تسمية هؤلاء الزوجات رضي الله تعالى عنهم في بعض الروايات وأصل الحديث في الصحيح وقد جاءت بروايات متعددة عند النسائي وغيره وهي صحيحة فأرسلت إليها في بعض الروايات أنها ضربت يد النبي صلى الله عليه وسلم فسقطت القصعة وانكسرت وانتثر الطعام وفي بعض الروايات أنها أرسلت جاريتها فأخذت القصعة ورمت بها في الأرض غيرة أمام الضيوف وفي بعض الروايات أنها جاءت متوشحة وأخذت أمام الضيوف أخذت القصعة ورمت بها في الأرض وانكسرت فماذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم / أمر الجارية أن تأتي من هذه التي كسرت القصعة أن تأتي منها بقصعة جديدة فوضع فيها الطعام / وقال قصعةٌ بقصعة وطعامٌ بطعام / وانتهت المشكلة ما قال: سودتي وجهي أمام الضيوف وأحرجتيني هذه الأمثلة التي قصدت إيرادها أيها الإخوان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأني لو جئت بها عن أحد أخر لربما قال قائل كلاماً لا يليق لما غلب على نفوسنا من المشاحة في هذه الأمور وبعض الرواسب من الأخلاق السيئة والعلو الزائد على المرأة ومعاملتها أحيانا بشي من الأنفة منها قصعة بقصعة وطعاماً بطعام انتهت المشكلة ما رجع إليها ما ضربها ما طلقها ما هجرها أبداً انتهت المشكلة على هذا الأساس وأنتي أيتها المر أه إذا صدر من الزوج كلمة هل تحسبينها له في ملف في سجل لا تنسين هذه الإساءة والخطاء وإذا كان لك خادمة أو أنت إذا كان لك سائق خادم فأخطاء في حقك قصر إذا كسرت الخادمة إناء كيف نصنع بها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر / جاءه رجلاً فقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم فصمت ثم أعاد إليه فصمت فلما كان الثالثة قال: أعفو عنه في كل يوم سبعين مرة / الحديث أخرجه أبو داود وإسناده صحيح كما قال الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله أعفو عنه في اليوم سبعين مرة كم نعفو عن الخادمة نحن في اليوم الواحد في السنة كم نعفو عنها كم نعفو عن السائق في السنة؟! لو جاءك وقد صدم في السيارة و وجهه يتقلب خوفاً منك ماذا تصنع به مرمطة وضرب ومجازاة ويدفع هذا الفقير من رواتبه وما هذه الرواتب يدفع قيمة هذه الجناية ابن عون من العلماء كان له ناقة جيدة تعجبه يصبح عليها ويغزو عليها فأرسل عليها خادماً رقيق له يستقي الماء فالخادم فيه شي من الرعونة والصلافة فجعل يضربها على وجهها حتى سالت عينها على خدها فلما راءها الناس قالوا: الآن تظهر أخلاق ابن عون الآن يتضح معدنه فلما جاء بالناقة ومعها الخادم تسيل عينها على خدها قال / له سبحان الله أفلا غير الوجه أفلا غير الوجه هلا ضربتها في غير الوجه بارك الله فيك أخرج عني أشهدوا أنه حر أشهدوا أنه حر/ . المرأة المسلمة إذا كان له ضرائر إذا كان الرجل له زوجات أخر هل تعيش في أحقاد في عداوات ضغائن لا تنام الليل تبيت مفكرة في كل كلمة قيلت لها هذه أم حبيبة عند موتها أم المؤمنين رضي الله عنها دعت عائشة وقالت / قد يكون بيننا ما يكون بين الضرائر فغفر الله لك ولي ما كان من ذلك / فقالت عائشة / غفر الله لك ذلك كله وحللك من ذلك / فقالت / سررتني سرك الله / وأرسلت إلى أم سلمه فقالت / مثل ذلك / .
وبعد أيها الإخوان فهل نحن نتحلى بهذه الأخلاق أخلاق الكبار لا أقول أخلاق كبار السن بل أخلاق كبار النفوس هل نحن كذلك الأمر كما قيل \" ليس الحليم من ظلما حتى إذا قدر أنتقم ولا كن الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر عفا\" . فلماذا لا نغير من أنفسنا لماذا ونحن نستحسن هذه الأوصاف والأخلاق؟ لماذا لا نغير؟ لماذا لا نعزم من هذه اللحظة أن نرجع لأهلنا بوجه جديد هل نسمع نحن لمجرد السماع والفكاهة والتسلية معاذ الله أضف إلى ذلك ما يحصل من هذه الخلة من الآثار الحميدة اجتماع الكلمة تأليف القلوب ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم ) / 159 آل عمران / إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ينفضون من حوله لو كان صلفاً على أصحابه فأمر الله بالعفو والإحسان والصفح أضف إلى ذلك ما يحصل لك من الثواب وأنت ترجو ما عند الله عز وجل والله يقول ( وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا و أصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) /40 الشورى/ ويقول ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين) /133 آل عمران/ ثم ذكر أوصافهم إلى أن قال ( أولئك جزائهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ) /136 آل عمران/ ومن أوصافهم أنهم يكظمون الغيظ ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) /134 آل عمران/ والله يقول ( ولا يأتل أولوا الفضل )/22 النور// لا يأتل : لايحلف / يمتنع أولي الفضل منكم أصحاب المراتب العالية والسعة أصحاب الغنى والمال أن يؤتوا القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم قالها الله في أبي بكر لما اتهمت أبنته في عرضها ومن المتهم رئيس المنافقين وتابعه على ذلك بعض المسلمين والجزاء أيها الإخوان من جنس العمل كما أخبر الشيخان في خبر ذلك التاجر الذي كان يداين الناس فإذا رأى مقتراً قال لفتيانه / تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا / فإذا عفوت عن الناس وتجاوزت عن زلاتهم وأخطاءهم فالله عز وجل يتجاوز عنك أضف إلى ذلك كسر العداوة التي في النفوس وسد أبواب الشيطان ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) /34 فصلت/ يقول ابن عباس / الصبر عند الغضب / يعني معنى الآية / والعفو عند الإساءة فإذا فعلوه عصمهم الله عز وجل وخضع لهم عدوهم / أضف إلى ذلك ما يحصل لك من النعيم والسعادة وانشراح الصدر والأنس يا إخوان الغل على أسمه يتعذب الإنسان به قبل غيره وقد يكون الإنسان الأخر لا يدري عنك وأنت تعيش في أغلالك وأحقادك ترهقك وتثقلك وتعقدك عن العمل وعن طاعة الله عز وجل والأنس بعبادته والسرور بمناجاته فأقول / لذة العفو كما قال بعضهم أعذب من لذة التشفي / وأقبح فعال المقتدر الانتقام فهذا خلق حسن من الأخلاق الإسلامية الطيبة وهو دليل على سعة الصدر وحسن الظن بالناس والترفع عن الدنايا والسفا سف اسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم لما سمعنا وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين وأن يلهمنا وإياكم رشدنا وأن يقينا شر أنفسنا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
اللهم اجعل قدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم واجعل عملنا خالصا لوجهه وأن ينفع به سائر المسلمين والحمد لله رب العالمين......