الأم المسلمة ودورها في تربية أبنائها في الغرب (2-2)
اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل ـ منشورات 'دبلن'
أولادي والواقع الاجتماعي في الغرب، كيف؟!
هناك ثلاثة محاور ينبغي على الأم أن تعيد حساباتها من خلالها وهى تتنفس مع أولادها واقعاً يختلف لغة وديناً وثقافة وحضارة وعادات وأعراف عن كل ما ألفته أو تتمنى لأولادها العيش فيه:
المحور الأول:
قراءة الواقع بعيون منطقية:
لم يعد مفراً من التعامل مع هذا الواقع الأوربي، ولكن يجب أولاً قراءته بصورة صحيحة ومنطقية وهادئة، وهذا يتطلب من الأم أن تعرف إيجابياته وسلبياته لتنطلق بشكل جاد، وفي كتاب قيم تحت عنوان (كيف نربي أبناءنا في أوربا؟) حاولت نخبة من أصحاب الفكر أن ترصد جانبًا من الإيجابيات والسلبيات في الجانب التربوي الذي يهم أبناء الجالية المسلمة في أى بلد أوربي فكانت تلك النقاط: الإيجابيات:
1-سيادة القانون في المجتمع.
2-الحياة الديمقراطية.
3-حرية التعبير.
4-تطور وسائل الإعلام والاتصال.
5-حب الاطلاع والاكتشاف وروح المغامرة.
6-سمة النظام والإتقان.
7-العناية بالعلم والبحث والثقافة.
وهذه العوامل الإيجابية يجب على الأم استثمارها وتوظيفها في تربية وتنشئة وتزكية أولادها حتى تعزز لديهم قيم:
-الإحساس بالمسئولية، وتقوية الإرادة.
-الإحساس بكرامة الفرد، وإمكانية معرفة حقوقه والدفاع عنها أو المطالبة بها بشكل قانوني.
-الثقة بالنفس، وروح المبادرة في التأثير على القرار السياسي (في الانتخابات مثلاً).
-حرية التعبير عن الرأى والتحرر من موروثات الكبت والخوف والسلبية والتهميش.
-حرية التفاعل مع وسائل الإعلام (تأهيل الأبناء لمخاطبة وسائل الإعلام).
-تعزيز المبادئ الإسلامية التي تحض على: النظام والإتقان وضبط المواعيد والإنجاز والعمل المبدع.
-الارتقاء بالمستويين العلمي والفكري، والقدرة على فهم حقائق الأمور والمساهمة في صنعها أيضًا.
وعندما تتلمس الأم هذه المظاهر وتدركها جيداً وتكسبها أولادها بشكل منطقي، فإنها تدفع بهم إلى نقطة التوازن النفسي والاجتماعي والإحساس بالتميز والقدرة على العطاء داخل هذا الانتماء الواعي للمجتمع الأوربي، لا للذوبان فيه وفقدان الهوية، بل للتفرقة بين ما يجب التعايش معه والتمايز عنه، وللوصول إلى إمكانية تغيير هذا الواقع لصالح الهوية والتصور والفكر الإسلامي، ولنا في تجارب أسلافنا التجار والدعاة الكثير من الدروس حينما تواجدوا في مناخات مغايرة للإسلام، ومع فهم دقيق ومنصف ومتوازن لتلك المناخات استطاعوا تغييرها وصبغها بالصبغة الإسلامية: (إندونيسيا تحولت إلى الإسلام على يد [7] أفراد، وباكستان انفصلت عن الهند وأعلنت هويتها الإسلامية إثر صيحة محمد إقبال، وبلدان كثيرة في أفريقيا وآسيا تحولت إلى الإسلام على يد أفراد)
أما السلبيات:
ومعرفتها ضرورة وعلى التوازي مع معرفة الإيجابيات فهى كالتالي:
1-تهميش الدين واعتباره شأناً خاصًا.
2-تزعزع وضع الأسرة في المجتمع الأوربي.
3-تكريس مفهوم الحرية وحق الاختلاف يجعل الإنسان يتحرج من إبداء موقف يراه منافياً للقيم والمبادئ التي يؤمن بها: (مثل ظاهرة الشذوذ الجنسي والضغوط التي يتعرض لها من يرفضها).
4-الحرص على إحراز الرفاهية المادية.
5-انتشار ثقافة الترفيه وغلبتها.
6-ضعف التواصل الاجتماعي.
7-تحديد سلطة الآباء على الأبناء.
وتنبع خطورة تلك السلبيات على أولادنا من دوام احتكاكهم بالمجتمع الأوربي في المدارس والمراكز الاجتماعية والثقافية المختلفة خاصة، وأن الأولاد في مرحلة التأثر والتشكل والتكون وما يرونه من مظاهر التفلت والتحرر ودغدغة العواطف والشهوات، في مقابل الضوابط التي يجب أن تحكم تفكيرهم ومشاعرهم وسلوكهم في التربية الإسلامية، والتي تعمل الأم والأسرة والمؤسسة الإسلامية في الغرب على غرسها فيهم، كل هذا يجعلهم في حالة من الصراع الداخلي ويضع أسرهم في خانة القلق والتوتر والخوف على مصير أولادهم أن يتأثروا أو ينحرفوا تحت ضغط هذا الواقع وإلحاحه .
والحقيقة أن دور الأم جد خطير في فهم تلك السلبيات وشرحها لأولادها وتفنيدها بصورة منطقية ومقبولة لديهم، وهذا يتطلب منها إلمامًا بالثقافة الغربية لتوضح لأولادها أن الغرب على حق في تهميش دينهم؛ لأنه فشل في تحقيق السكينة والأمن في نفوسهم لتسلط الكنيسة ورجالاتها على الناس وتدخلهم في حياتهم بشكل غير مقبول، وبالتالي فقدوا مصداقيتهم وساهمت أفكار الحداثة وما بعد الحداثة في تحطيم قدسية الدين وأماكن العبادة لدى الغربيين لتسود النظرية الرومانية القديمة [أعطوا ما لقيصر لقيصر، وأعطوا ما لله لله] وبذلك انسلخ الناس من الالتزام الديني وبات محصوراً في جدران الكنيسة، أما الأسرة فقد تمزقت بعد أن خرجت الأم للعمل في ندِّية مع الرجل وتخلت عن دورها التربوي للمؤسسات الاجتماعية، وضعفت بالتالي الروابط الاجتماعية وغدا أفراد الأسرة جزرًا منعزلة مفككة (وهو ما يراد الآن للأسرة المسلمة في العالم من خلال مخططات الأمم المتحدة)، وتفاقمت النـزعة الفردية التي تلهث نحو: التمركز حول الذات وإحراز الرفاهية واللذة دونما النظر إلى آثارها المدمرة على الفرد والمجتمع وباتت الشهوات الجنسية والعلاقات الشاذة في متناول الجميع دون سلطان أو ضابط، بل حتى إن القوانين تحمي تلك الفوضى الجنسية تحت مسميات: الحرية الفردية وحق الطفل.
عندما توضح الأم لأولادها النموذج المعرفي الغربي الذي يرفض الألوهية والدين والمقدسات والثوابت والأسرة والأخلاق والقيم السلوكية المنضبطة، ويكرس مفاهيم التحرر والتفلت والأنانية والفردية والشهوانية وتقارنه بالنموذج المعرفي الإسلامي الذي يأتي على رأسه موضوع: الألوهية والربوبية ثم مفهوم الاستخلاف والعمل والجزاء والمقدسات والثوابت والتفريق بين الغاية والهدف والوسيلة، وأهمية الحركة المنضبطة للإنسان في كل مراحل حياته، وحقيقة الدنيا وطبيعة الآخرة، وعندما تتدبر معهم السنن في الأنفس والآفاق والكون، وتتعرف الأم مع أطفالها على روح القرآن ومرامي السيرة والسنة لهداية الإنسان وصالحه، إنها بذلك تقلل الفجوة بين المثال وإمكانية التطبيق، وتختصر مسافات الصراع النفسي، وتعزز لديهم الدفاعات الذاتية لمقاومة الواقع الضاغط، (نموذج الأخت إميلي براملت[أم محمد]ومريم جميلة) إنها مسئولية كبيرة وأمانة جليلة ولكنها ليست بالمستحيلة أو المزعجة: )كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ( [المجادلة، الآية 21]. وتلك سنة كونية غالبة وفي صالح الأم وأولادها إن هى وضعت رجلها على طرق الأنبياء والرسل، طريق المعرفة ومعية الله والأخذ بالأسباب والاعتبار بالسنن، والأخذ بالعزيمة والعمل بهمة، إن مساعدة أولادنا في عبور هذا الطريق الملغوم يحتاج إلى التأكيد على أهمية المعرفة لدى الأم، والإصرار على كل ما سبق أن ذكرناه من الجوانب والأساليب والوسائل، والتعرف على الواقع بصورة منطقية لنصل إلى:
المحور الثاني:
معايشة الواقع بصورة طبيعية:
وتتطلب تلك المعايشة وقفة مع
خطين: الأول: مراجعة الذات: وهو يتطلب من الأم أن تقف بصدق مع نفسها لتدرك أنها جاءت من بلد إسلامي له خصائص وظروف مغايرة للواقع الأوربي، لقد تربت على عادات وأصول تنبع من ثقافة بلدها والتي قد تتفق مع جوانب في التصور الإسلامي أو تتعارض معه، وعلى الأم أن تحدد بشكل علمي وجاد الفرق بين المكتسبات أو الموروثات التي شكلت شخصيتها: هل هي من الإسلام أم من ثقافة ذاك المجتمع؟! إن الثوابت التي جاء بها الإسلام لا خلاف عليها ولن نفرط فيها أبداً ما حيينا، أما المتغيرات المكتسبة من قواعد ومعارف ومهارات وسمات هى بنت بيئتها فهى التي تحتاج إلى وقفة صحيحة: هل تصلح تلك المتغيرات للبيئة الجديدة؟ هل أساليبي التربوية وتنشئتي تصلح للممارسة أو تكرارها مع أولادي في هذا التوقيت الزماني والمكاني؟! والحقيقة أن كثيراً من الشواهد المقروءة تساقطت وانتهت وخسرناها تماماً؛ لأنها غيبت عامل المكان وعنصر الزمان! وهذا ما فقهه عمر بن الخطاب t 'ربوا أولادكم لزمان غير زمانكم' ولن يتأتى هذا إلا بالصدق في التوجه والمرونة في التفكير، والإبداع في التربية، ولن تصل إلى هذا الفقه للتعايش مع الواقع الأوربي إلا تلك الأم المؤمنة الواعية المنيبة الأوابة متجددة القدوة لأولادها وبنات جنسها والحكيمة في معرفة الخيط الفاصل بين ما يجب الثبات عليه والواجب التخلي عنه.
الثاني: التعاطف مع الأولاد: إن الضغوط التي أشرنا إليها ويتعرض لها أولادنا في الواقع الأوربي لتستدعي من الأم أن تتعاطف مع أولادها ليعبروا الأزمات بسلام، عندما تفكر الطالبة المسلمة في المدارس الأوربية أن تساير صديقاتها أو تسأل فيما يحق لها أن تقيم علاقة مع صديق أو تذهب إلى الحفلات الترفيهية أو الماجنة آخر الأسبوع، أو تتعجب من جدوى الحجاب والصيام أو تميل إلى استخدام الإنترنت ومحادثة الشباب والتواعد معهم، كل هذا لا يعني أن الفتاة منحرفة أو قليلة التدين أو أنها مشروع مجرمة.
إنها تحاول التفكير بصوت عالٍ؛ لأن الضغط يكاد يخنقها، ولقد سبقها زميل لها في تلك السن إلى الرسول الكريم r وعلى مسمع من الصحابة: يا رسول الله ائذن لي في الزنا!! لقد ذهب إلى أبعد حد في هذا الطريق، ولكن العلاج النبوي الحكيم هو الدرس الذي يجب أن تعيه الأم –كل أم- على مر الزمان لم ينهره رسول الله r ولم يعنفه ولم يصنفه تحت أى مسمى واتخذ معه عدة إجراءات تربوية كفيلة لو طبقتها كل أم أن تصل بأولادها إلى الاتزان النفسي وجادة الصواب. أولى تلك الإجراءات الحكيمة قوله صلى الله عليه وسلم: 'قربوه، ادن مني!' إن تقريب المسافات النفسية والوجدانية والمعرفية والمكانية بيننا وبين أولادنا قادرة على تذويب حواجز الرهبة والرغبة في التقليد والتمرد ومحاولة التجريب .
إن احتضان أولادنا شعورياً ومعرفياً وجسمياً قادر على بث الطمأنينة والأمان والتفكير الهادئ في نفوسهم الغضة ثم انتقل صلى الله عليه وسلم إلى حوار هادئ ليغير قناعات خاطئة لدى الشاب بشكل منطقي واضح متسلسل يصل هو بنفسه إلى النتيجة، إن الرسول r لا يضع في فم الشاب الإجابة ويلقنه إياها دون تفكير، بل على العكس يتحاور معه ويسأله مباشرة ويخاطب فيه ثوابت إنسانية وقيم ثابتة: هل ترضاه لأمك؟ هل ترضاه لأختك؟ صورة يأباها كل صاحب نخوة: لا! ويكون التعقيب: وكذلك الناس لا يرضونه، إنه يستحث فيه التفكير الجمعي؛ لأن عواقب هذا الانحراف والزلل يطول الشرائح الاجتماعية، إنها استنفار للمسئولية الاجتماعية، ويأبى الشاب أن ينجرف إلى هذه الفاحشة بعد أن اتضحت أمامه الصورة، ولكن الرسول r يأبى إلا أن يعلمنا الدرس الفذ في التعامل مع الأمور، إننا -بعون الله والركون إلى قوته- نستطيع أن نصل إلى أفضل النتائج بعد الأخذ بالأسباب: اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه! كم من الأمهات من تداوم على الدعاء لأولادها بهذا الدعاء الطيب الطاهر في هذا الوسط الصاخب العابث، وتلك المرحلة المضطربة المتسارعة؟!
إن التعاطف والتبسط والحوار والاستماع الفاعل بمثابة الأمصال الواقية لأمراض المجتمع الأوربي، حتى إذا اندمج أولادنا في هذا الواقع فإنه الاندماج الإيجابي الذي يترفع عن السلبيات ويتفاعل مع الإيجابيات. اندماج يعي قدر التحدي ويدفع إلى تغيير هذا الواقع وإخراج الناس من الظلمات إلى النور: )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ( [آل عمران، الآية 110].للناس كافة، )وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ( [البقرة، الآية 143]. والشهادة من الشهود والفعل الحضاري الناضج المسئول، ومن له غير حجر الأمهات الطاهرات الموصولات بالله، الأمينات على الدين وأبناء هذا الدين؟!
وهكذا ينتقل بنا إلى المحور الثالث والأخير من تلك الورقة وهو:
المحور الثالث: فقه الواقع: إذا تمت قراءة الواقع بصورة صحيحة لتلمس معالم التعايش معه فهذا مؤشر سليم على إدراك فقه الواقع وترتيب أولويات تربوية على الأم التمسك بها والعمل من خلالها وتتمثل في:
1-المعرفة التربوية المتجددة عن طريق القراءة في الكتب الموجهة للوالدين عن التربية وحضور جلسات العلم وحلقات الفكر والثقافة في المراكز الإسلامية ومتابعة دروس العلماء التربوية في وسائل الإعلام المختلفة ووسائط الثقافة المتعددة.
2-التقارب بين أفراد الجالية المسلمة، والتزاور الأسبوعي والموسمي وتعزيز الروابط الاجتماعية خاصة مع الأولاد في تلك الأسر (السؤال عنهم- التحبب إليهم- رعاية شئونهم في المؤسسة).
3-مساعدة المراكز الإسلامية في العمل التطوعي (تحفيظ قرآن-دروس في العربية–تعليم المهارات المنزلية-مساعدة أبناء الأسر المسلمة في اكتساب حرف أو مهارات متنوعة-توظيف الطاقات الشابة والتعاون معها في إبراز أفضل ما لديها لخدمة الجالية).
4-أن تدفع الأم أولادها للعمل داخل المراكز الإسلامية والمساهمة في الأنشطة الاجتماعية والتطوعية والثقافية والاشتراك في الرحلات والمخيمات والملتقيات المتعددة.
5-أن تحرص الأم على التواصل الاجتماعي بين أولادها وذويهم وأرحامهم في البلدان الإسلامية وتخطط للزيارات ما أمكن لتلك الأجواء مع الحرص على تأكيد الهوية والانتماء للإسلام، وأنه مصدر التلقي ولا يقاس سلوك المسلمين – في أي بلد- على أنه مصدر التلقي أو المرجعية (الإلحاح على التفرقة في هذه النقطة بين الإسلام والمسلمين حتى نتفادى القياس الخاطئ أو الاستنباط القاصر كي نجنب أطفالنا ما يتوهم أنه تعارض وتناقض في الدين).
6-أن تتيح الأم لأطفالها المواد التي تؤكد لديهم القناعات والمفاهيم والقيم الإسلامية: (كتب-قصص-أشرطة-أناشيد) وأن تعمل على ربطهم المستمر بالمكتبة الإسلامية حتى لا تتجمد المعارف لديهم عند حد معين في هذا الزمن الحافل بالتسارع المعرفي وتنويع مصادر المعلومات بشكل رهيب.
يجب - أخيرًا- على الأم أن تحمل على عاتقها الرؤية الشمولية: أنها أم ..أنها أمة!
كتبه: عبدالله الحماد
