يقولون ان الحمار عنما يرى الشيطان يصدر نهيقه .. لذلك نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عندما نسمع صوته القبيح ..
ومنذ علمى بذلك تعودت منذ صغرى على الجلوس بجانبه لساعات طويلة فى دوار منزلنا الريفى البسيط عندما أقرر اتخاذ قرار جديد يخصنى ..
فإذا أصدر الحمار نهيقه .. أدرك على الفور أن الشيطان قد أعد عدته لى واستعد ليفرغ وساوسه فى أذنى ويحثنى على اتخاذ قرار شرير قد يضرنى أو يضر غيرى .. أما إذا ظل الحمار ساكنا كما هو فأعلم أن القرار لا يشوبه شر ..
دعونى أروى لكم تجربتى مع الحمار ....
ففى ذات يوم كان ...
*******
(( كيف حالك أيها الوغد ؟؟.. ))
قالها ( عواد ) عدوى اللدود الذى كان مارا علىّ وزملائى ونحن نستذكر دروسنا تحت الشجرة .. فالكل يعلم مدى الخلاف بينى وبين ذلك البرميل الأجوف ، فتصاعد الدخان من أذنىّ غضبا لما لمحت الرنة الساخرة فى عبارته وأجبت قائلا :
- فى خير حال .. ما دمت بعيدا عن وجهك القبيح .
عقب فى سخرية استفرتنى :
- يبدو أن العلقة الماضية لم تكن تكفى لتعليمك كيفية الحديث بأسلوب مهذب معى .
احمر وجهى غضبا وقد تلمست الإهانة أمام زملائى الأوغاد الذين هم حقيقة أصدقاؤه ، فأخذوا ينظرون ألىّ فى شماتة وضحكاتهم تتفلت منهم ... تباً لهم من فئران .. المهم أننى قلت له صاباً جام سخطى على رأسه :
- أدرك جيدا أنك أقوى منى وأنك تستحق الزعامة فالجميع يلتف حولك قى المدرسة .. كما أعلم أنك تحرض من معك من تابعين على عدم الاختلاط بى وتركى وحيدا .. فأنت تعجبهم بشخصيتك القوية وعضلاتك المفتولة ..
وأردفت متوعدا :
- ولكننى سوف أجعلك تندم على تحديك لى بعدما أنتزع منك الزعامة ...
ضحك ( عواد ) متهكما .. ثم مضى فى طريقه لا يلوى على شئ ....
********
وعندما عدت للبيت جلست فى الدوار بجوار الحمار والأمر يشغلنى بشدة .. فأخذت أفكر فى الأمر بصوت مرتفع قائلا لنفسى :
- (( لابد أن ألقن هذا الوغد درسا قاسيا .. حتى يعترف لى بالزعامة .. ولكن كيف ؟؟؟؟!! .. فأنا لا أستطيع ضربه فهو حتما يفوقنى قوةً وتكفى لكمة واحدة منه لسحق عظامى سحقا ... لابد أن أعلن للكل أننى الأذكى .. لابد أن ألملم كرامتى المنثورة أمامهم على الأقل .. ))
(( ماذا لوجمعت مجموعة من أصدقائى المخلصين واتفقنا سويا على ضربه بشدة حتى لا يتعرض لى ثانية ؟؟!! .. ))
وهنا سمعت نهيق الحمار ينبهنى فالتفت له مهدئا :
- حسنا حسنا .. دعنا من هذا الأمر ..
ثم لذت بالصمت لفترة وبعدها برقت عيناى وقلت :
- (( ماذا لو قمت بسرقة حاجيات الأستاذ ( محفوظ ) غدأً فى المدرسة وأخفيتها فى حقيبة ( عواد ) واتهمته بسرقتها .. ))
وتماديت فرحت أتخيل منظر ( عواد ) يجرى فى الشارع فارا من الأطفال الذين يزفونه : هاهو (عواد ) اللص .. هاهو ( عواد ) اللص ..
وسرعان ما احتلت ثغرى ابتسامة ... وهنا أيضا أصدر الحمار نهيقه بشدة معترضا حتى خيل إلىّ أنه قد قطّب حاجبيه غضبا ولكنى لم ألق له بالا وهتفت فى حماس وعيناى تبرقان :
- نعم .. هذا هو القرار الصائب ..
وانتظرت اليوم التالى على أحر من الجمر....
*********
وفى اليوم التالى عندما كنا فى فسحة النشاط فى المدرسة .. تسللت خفية إلى حجرة المدرسين وتأكدت من أنه لا عين تبصرنى وأخذت أبحث عن شئ أسرقه و ... هاهى .. إنها ساعة الأستاذ ( محفوظ ) يبدو أنه قد نسيها من حسن حظى ولسوء حظ ( عواد ) .. اتجهت نحوها وأخذتها وهممت بوضعها فى جيبى عندما ....
- (( ماذا تفعل هنا أيها اللص الشقى ؟؟! .. ))
اخترقت الصيحة أذنىّ فالتفت مفزوعا لمصدر الصوت فاصطدم بصرى بالأستاذ ( محفوظ ) واقفا على باب الحجرة بجسده السمين .. السمين جدا .. بسم الله ما شاء الله .. أهذا كله جسد ؟؟! .. أعطاك الله العافية يا أستاذ ( محفوظ ) .. ولكن لماذا يا ترى يلوح لى بتلك العصا فى يده .. لا ريب أنه يمازحنى .. ولكن هل يعتبر ذلك مزاحا عندما يقول لى :
- سوف يكون عقابك معى عسيرا ...
وبالطبع تم عقابى وافتضاح أمرى .. وأصبحت علقتى من زملائى الطلاب مسألة وقت .. كل ذلك بسبب حماقتى المعهودة ..
ليتنى استمعت إليه .. لقد نبهنى ..
ماذا ؟؟؟؟!!
تسألون : من نبهنى ؟؟!! ...
بالطبع إنه هو .....
الحمار .......