بيروت هادئة بعد فجر صاخب : ترقب في انتظار معرفة «ماذا بعد» ؟
GMT 3:45:00 2006 الجمعة 14 يوليو
السفير اللبنانية
------------------------------------------
الجمعة: 2006.07.14
جهينة خالدية - السفير
لا مفرقعات ولا زغاريد. فقط صمت كثيف غطى على شوارع بيروت، صباح الأمس. هدوء. كأنها مدينة أخرى. المحلات التي فتحت أبوابها صباحاً أقفلتها بعد الظهر، بعدما ملّت انتظار زبائن يبدو أنهم لن يأتوا. ازدحام الشوارع المعهود غاب عن الصورة، إلا في وقت مغادرة الموظفين لمكاتبهم وفي الشوارع التي فيها محطات للوقود.
في الشارع شيء ما، شيء يصعب وصفه: ليست شوارع مهجورة، ولكنها ليست على عادتها. ليست حركة مشلولة، ولكنها حركة خجولة. ليس هو خوف بالمعنى الذي خبرناه مراراً، لكنه توتر مَن يجهل ما هو آت.
خبر قصف مطار رفيق الحريري الدولي عند السادسة صباحاً، كان أقصى من أن يدفع أحداً للخروج الى الشوارع.
المشهد الأول عند الثامنة صباحاً في محيط وطى المصيطبة، جسر الكولا، الجامعة العربية، الملعب البلدي، صبرا، بدا كأن حظر تجوّل قد فرض نفسه.
محل الكنافة الشهير عند الملعب البلدي، يفتقد زحمته اليومية، أبواق السيارات التي ما اعتادت أن تهدأ تحت جسر الكولا، خفتت بالأمس، من يذهب إلى الجنوب اليوم؟ أما أكشاك الهواتف، فحظيت بشعبية كبيرة: الكل راغب بالاطمئنان عن عزيز بعيد.
صورة الشوارع الصامتة، تمتد بعد خبر استهداف تلفزيون المنار في ضاحية بيروت الجنوبية، عندها فقط شعر مروان حميّد، الذي يقطن في عائشة بكار، <أن إسرائيل أمست على الأبواب>.
أجواء الشارع الهادئ إياه هي التي جعلت الحاج عبد الحميد حرب يغرق في قيلولة صغيرة لا يقطعها زمور سيارة تعبت من زحمة السير، ولا صوت طفل قرر شراء لوح من الشوكولا من دكانة الحاج. الدكانة الخالية من أي وسيلة اعلامية، لا تلفاز، لا مذياع ولا صحيفة. لا يريد الحاج عبد الحميد معرفة تفاصيل الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، يكفيه ما يسمعه من الجيران، ويكفيه أنه يؤمن بالسيد حسن نصرالله، <فهو معلم الكل>. ويؤمن بقوة الشعب على التوحّد ضد العدو، وضد الحرب، وعلى التعاون لإعادة إعمار كل ما خُرّب.
لا يختلف اثنان برأي قاسم قتانجي على أن إسرائيل هي الشر المطلق، برأيه <هذا أمر لا مجال للتفكير به حتى>. هو الذي قرّر اليوم فتح محله لبيع الخضار والفاكهة بشكل طبيعي، يظن أن ما يستحقّ التفكير به مليّاً اليوم، هو كيف سيعيل أفراد عائلته الأحد عشر، وهو لم يبع شيئاً من البضاعة التي كلفته مليون ليرة. يعود ليردد وهو يرتب حبات القرع الخضراء <الله بيفرجها.. الله بيفرجها>.
الشارع هادئ على غير عادة في فردان، ومع ذلك <يتسلل> الى مقاهيها عدد من الزبائن لشرب فنجان قهوة والدردشة حول الأحداث، أو كاستراحة بين جولات التسوق التي تقوم بها سهى، قبل سفرها. ولكن المطار مغلق؟ تجيب بثقة، <لا بأس سأترك بيروت مساء، بعد غد بأي ثمن، في الغالب عن طريق دمشق>، لتلحق بأطفالها وزوجها الذين سبقوها الى دبي.
تتأسف سهى لما يحصل للبنان، الذي ما لبث أن وجد لنفسه موطأ قدم على خارطة أجمل البلدان السياحية الآمنة، أما اليوم فتنبغي عليه إعادة الانطلاق من الصفر، وكأنه يعود خمس عشرة سنة الى الوراء. لا تدين سهى عمليات المقاومة، هي فقط لا تفهم التوقيت السيئ الذي تمّ اختياره، ولا تدري اذا كان يمكن القيام بحسابات أفضل، تؤدي الى أضرار أقل، لا تُخسر لبنان شبابه، بناه التحتية ووحدته الداخلية.
كل الأضرار وتفاصيل اليوم الأول للاعتداءات الاسرائيلية، بقيت محفوظة في صفحات الجرائد المرتبة على واجهة عرض كشك طلال شقير في فردان. هو الذي توقع ارتفاع الطلب عليها، فتزود بأعداد إضافية عن الأيام العادية، ولكن يبدو ان توقعاته خابت، والسبب الأساسي، هو عدم خروج الناس من منازلهم بالدرجة الأولى، واعتمادهم على الإعلام المرئي بشكل كبير، كما يقول شقير.
تتلوّن الصورة قليلاً في الأشرفية، التي شهدت شوارعها حركة شبه طبيعية، يشوبها بعض الحذر، يعزو يوسف رحمة سببه الى كون اللبناني بطبعه مسالماً، ولا علاقة له بالحرب. يقول رحمة إن المواجهة بين إسرائيل والمقاومة الاسلامية غير مقبولة، ولن تؤدي الا الى دمار البلاد، وبالنهاية يدفع الشعب الثمن. لدى رحمة قاعدتان أساسيتان، فهو على قناعة تامة بهما، أولاً <لا يجوز تدمير لبنان ووقوع عشرات الشهداء من أجل تحرير الأسرى، حتى لو كانوا بالعشرات أيضاً>، وثانياً <لا يمكنني المحاربة عن أي بلد آخر غير بلدي.. فأنا لا أموت من أجل غيري.. أنا أريد أن أعيش مع أهلي، مسلماً كنت أم مسيحياً>.
يحاول متري وصف الأحداث الجارية بأقل كلمات ممكنة، <ما يحصل كارثة الكوارث>، يشرح وهو يكمل سيره مستعجلاً لمتابعة نشرة أخبار الواحدة في منزله، <كلنا ندرك أن الدول العربية مجتمعة ضعيفة أمام إسرائيل، وبالتالي ما يحصل لن يزيد لبنان إلا خراباً>.
يجلس جورج، الذي يعمل في مكتب للنقليات، هو وزملاؤه للعب بورق الشدة، ويعلق <ربما من نفذ العملية مستعدّ لتحمل الأضرار، ولكن الشعب غير مستعد>. ويقول صاحب المكتب (الذي يفضل عدم ذكر اسمه) بعصبية <اعتدنا في هذا الوقت أن تكون سياراتنا كلها مستأجرة، اما اليوم فالطلب على سيارت الى سوريا فقط>.
مقابل المكتب، تخلو محلات المركز التجاري الكبير المعروف من الزبائن. أصحاب المحال التجارية يتنقلون بين الطوابق بتأفف، من دون أن تسمح إدارة المركز بإجراء أي مقابلات، لسبب بقي غير مفهوم.
لا مفرقعات ولا زغاريد ملأت الشوارع، بالأمس، لا هلع ولا ذعر. حال من الترقب والانتظار. حال من اعتاد المشهد، وعاشه أكثر من مرة، ولكنه مازال يراهن أن النهاية ممكن أن تكون مختلفة، ولو لمرة واحدة.