العنف الجنسي ضد الأطفال
مها عرنوق - أمان
** تعريف وتوضيح :
يقول أحد الباحثين (1) : إن العنف الجنسي هو أي نشاط جنسي إجباري يقع ضد طفل غير كامل الأهلية 0
أما الباحثة الدكتورة ايمان السيد ( 2 ) فتعرفه : انه كل إثارة جنسية يتعرض لها الطفل أو الطفلة عن عَمْد ، وذلك بتعرضه للمشاهدة الفاضحة ، أو الصور الجنسية العارية ، أو غير ذلك من مثيرات ، كتعمّد ملامسة أعضاء الطفل التناسلية ، أو حثه على لمس أعضاء شخص آخر، أو تعليمه عادات سيئة - كالاستمناء – فضلاً عن الاعتداء الجنسي المباشر في صوره المعروفة ، الطبيعية والشاذة.
والطفل قد يتعرض للعنف الجنسي في سن مبكرة ، تسعة أشهر مثلاً ، لكن الغالب بعد هذا السنَ 0 فأطفال مابين سنة ونصف الى الخمس سنوات يواجهون هذا الخطر في أي وقت تغيب فيه رقابة الأهل والأقرباء المحيطين بهم كالجّد والجدّة وما شابه 0
والغريب في الأمر ان هذا العنف غالباً ما يحدث على يد أقرب الناس الى الأطفال ، أو ممن يقدمون لهم الرعاية : الوالد ، السائق والخادم ، ان وجدا ، المراهق في البيت ، أو الأقارب 0 أما أطفال مابين (5-12) سنة فما فوق ، غالباً ما يتعرضون للعنف الجنسي من كل من يمكن أن يختلط بهم دون رقابة من الأهل ، كالأصدقاء ، أبناء الجيران ، الغرباء 0 ومن الأطفال الذين يتعرضون لهذا العنف أولئك الذين يودعون في مؤسسات الأحداث الإصلاحية ، وكذلك المشردون في الشوارع ، الذين يكونون هدفاً سهلاً لهذا العنف بسبب فقرهم ، وصغر سنهم ، وجهلهم بحقوقهم في اغلب الأحيان 0 وقد أظهرت بعض التجارب والأبحاث ، في أغلب دول العالم ، أن واحداً من كل أربعة أطفال يتعرض للعدوان الجنسي ، والأطفال في سن العاشرة أكثر عرضة من غيرهم لهذا العنف 0
وقد يتم إغراء الطفل بالمال أو الهدايا أو الحلوى ، إن كان صغيراً 0 ويكون إدراجه لهذا النشاط مصحوباً بتهديده بالضرب أو العقاب أو القتل ، إذا باح لأحد ، او بتخويفه بأن الوالدين قد يعاقبانه أو يؤذيانه إذا علما بالأمر 0 ولا نستغرب ، وهذا ما يحدث أحياناً ، ان يكون حب الطفل للتجربة والمعرفة واكتشاف كل ماهو مجهول ، وراء سقوطه ضحية لهؤلاء المجرمين 0
والأسوأ في الأمر أن هذا العنف يحاط من الأهل بالكتمان الزائد ، الذي يخفي وراءه سمعة العائلة ، وسمعة الطفل نفسه ، لأننا نعلم أن موضوع الجنس لا يزال من الموضوعات المحظورة التي لا نتحدث عنها في بيوتنا ، بدعوى أن الحديث فيها عيب ، وربما وصمة عار0
وقد دلّت بعض الدراسات أنّ العنف الجنسي ضد الأطفال غالباً ما يكون ممن مورس عليهم هذا النشاط ، وانّ الطفل الذي يتعرض لعنف جنسي ، هو طفل لا توجد علاقة قوية ، أو صداقة حميميّة تربطه بالوالدين أو بأحدهما. لأن شعوره بالأمان ، في ظل علاقة حميميّة ، قد يحميه من كثير من هذه المشكلات ، لأنه يفتح باب الحوار بينه وبين والديه ، مما لا يسمح بوجود أسرار بينهم .كما تؤكد الباحثة سامية محمد (3) : ان من خصائص الآباء الذين يمارسون العنف الجنسي مع أطفالهم ، عدم الشعور بالسعادة ، أو الشعور بالجمود ، أو معاناة الوحدة ، وان الطفل الذي يتعرض للعنف الجنسي ، غالباً ما تحدث له إفاقة جنسية مبكّرة ، تؤدي لإصابته بنشاط جنسي زائد ، أو نشاط جنسي منحرف 0 وتذكر الباحثة فتحية رشدي

4) أن علماء النفس يجمعون ان الشهوات الجنسية لا تبدأ عند سن البلوغ ، بل يحملها الطفل منذ الولادة ، غير أنه في سنوات قبل البلوغ ، ومن الناحية العلمية ، لا يعرف الطفل الميول الجنسية بالمعنى المتعارف عليه لدى الكبار 0 ولذلك يندرج النشاط الجنسي في هذا السن تحت اسم السلوك السيء الذي يفعله الطفل مقلِّداً أو مجبراً ، دون وجود غريزة حقيقية لديه 0
** أسباب تؤدي الى العنف الجنسي :
غياب الرقابة ، وجود مسافة بين الأهل والأطفال ، تمنع الحوار الدائم ، والاطّلاع على كل الأسرار ، التعري أمام الطفل ( وقت حمام الطفل أو في أي وقت آخر ) ، نوم الطفل مع الأهل في غرفة واحدة ، الأكراه في الزواج بالنسبة للبنات ، زواج الصغيرات ( في أكثر الأحيان ) ، رؤية مناظر من هذا النوع في التلفاز ، مقاهي الانترنيت ، التجربة من خلال سماع الطفل أي شيء عن هذا النشاط ( أحاديث الرفاق ) أو (غيرهم ) ، قراءة بعض الكتب التي تتعرض لهذا الأمر ( الأطفال الكبار ) 0 وتطرح الباحثة فتحية رشدي الأسئلة التالية (5) في هذا المجال فتقول :" هل يحدث هذا العنف لانعدام الجانب الإنساني فينا ؟ هل لاستسلام البعض منا لنزواته المريضة ، ورغباته الشاذة ؟ هل لانعدام الوازع الأخلاقي فينا ؟هل لضعف هؤلاء الأبرياء يتم استدراجهم لرغبات مكبوتة ودنيئة هل 00 هل 00؟ الأسئلة كثيرة وعديدة لكن علينا أن نجد حلاً ، خاصة بعد استفحال هذه الظاهرة بصورة مخجلة "0 فعلاً كل هذه الأسئلة مجتمعة هي أسباب وراء هذا العنف 0
** آثار العنف الجنسي :
أهم الآثار التي تظهر على الطفل نتيجة العنف الجنسي : أعراض جسدية غير مبررة ،اضطرا بات عديدة تظهر على شكل قضم الأظافر مثلاً ، الصداع ، الشرود ، التبول اللاإرادي ( النكوص والعودة الى السلوك الطفلي ) مشاكل الدراسة ( انخفاض المستوى الدراسي ) ، الانعزال والانطواء على الذات والانسحاب بعيداً عن الأسرة والأصدقاء والنشاطات وبخاصة عن الأهل لتجنب التحدث معهم في هذا الأمر ، الاضطراب في النوم ، الكوابيس ، إيذاء الذات ، آلام غير مبررة في الأماكن الجنسية والشرج ، كثرة البكاء ، محاولة الانتحار ( الأطفال الأكبر سناً )0
كما أن الطفل المعتدى عليه تنتا به المشاعر التالية :
أ- الخوف وعدم الرغبة في أشخاص معنيين
1- ممن اعتدى عليه.
2- من والديه أن يكتشفا الأمر وكأنه هو من ارتكب الجريمة وليس ضحية.
3- الخوف من الاختلاف الذي حدث له في حياته.
4- الخوف من حدوث مشاكل جديدة .
5- الخوف من فقد من يحبهم 0
ب - الحزن :
1- شيء ما أخذ منه بالقوة ، شيء ما فقد بخاصة بالنسبة للإناث.
2- فقده لطفولته .
3- خيانته من شخص وثق به 0
ج - تأنيب الضمير :
1- لم يستطيع إيقاف ما حدث ، لأنه وافق منذ البداية على الاستسلام .
2- لأنه حافظ على ما حدث سراً ، ولم يبح به لأحد من أول مرة 0
د - الإحساس بالعار:
1- لأنه شارك في هذا السلوك المشين ، وربما استمتع جنسياً بما حدث ( الإحساس هنا مزيج من الألم مما حدث والإحساس بالمتعة ) 2- لأنه ربما مازال يحبّ من اعتدى عليه بسبب قربه من قلبه ( الوالد مثلاً ) 0
وإصابة الطفل بالعدوانية هنا قد تخلق لديه نوعاً من الانتقام ، فيعتدي على آخرين ، ويعيش في مرارة قاتلة ، يمكن أن تتطور ، وتصبح اكتئاباً أو أمراضاً نفسية أخرى 0 وتذكر الباحثة فتحية رشدي (6) " أن الطفل قد يصاب بأمراض عقلية ، أو جسمية ، وتنعدم ثقته بنفسه وبالآخرين ، كما يمكن لهذا العنف أن يعصف بحياة الأطفال ، ويغيّر اتجاهانهم وقناعاتهم ، وقد يؤدي بهم الى حياة الانحراف والإدمان على العقاقير " 0
وتصرخ الباحثة في النهاية 00" الى متى ستظل جرائم كهذه حبيسة أماكن ارتكابها ؟ والى متى سيظل العديد من الأطفال يعانون العنف الجنسي ؟ "0
الكل يعلم أن اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها كل دول العالم تقريباً ، تلزم الحكومات بحماية الأطفال من كل أشكال العنف المادي والمعنوي (7) 0
** ماذا بعد العنف الجنسي :
الخطوة الأولى والأهم إزالة حجاب التعتيم عن هذه الجرائم 0
ترى الباحثة الدكتورة ايمان السيد (8) :
1- لابد من عرض الطفل على طبيب نفسي لاسترجاع هذه التجربة المؤلمة معه بالتفصيل ، حتى لا تظل مختزنة بداخله تحدث آثارها السلبية 0 وكل حالة من هذه الحالات تستدعي تدخلاً نفسياً مختلفاً ، وانه ينبغي أن يوضح للطفل أن الشعور بالذنب لاداع له ، وان عدم علمه بكيفية التصرف هو التي أدىّ لذلك ، وأن الخوف شيء مقبول 0 ولابد من إشعار الطفل بالأمان من عقاب الوالدين ( أي نقل الشعور إليه بأنه مجني عليه وليس جانياً ) 0
وتنبغي ملاحظته ملاحظة دقيقة دون أن يشعر ، لمنعه من التعرّض لأية مثيرات أخرى ، والانتباه الى أي شي غريب في سلوكه وتصرفاته ، مع صرف انتباهه دائما ً، في حالة الشرود والسرحان ، الى نشاط ما ، ومحاولة وضعه وسط الأسرة ، ومنعه من الإنفراد ما أمكن 0
2- لابد أن ينال المجرم عقابه بابلاغ الشرطة أو السلطة المختصّة بالتعامل مع تلك الأمور ، كي لا يهرب الجاني ، لأن التعتيم على هذه الجريمة ، يساعد المجرم وييسر له أن يعاود فعلها مرات عديدة ، وفي أماكن أخرى ، ومع آخرين ، لأنه يعلم مسبقاً بتعتيم الأهل على كل ما يرونه عاراًُ (التأكيد على ضرورة تدريب كل الذين يتعاملون مع الأطفال في هذا الأمر. ذكر بعض الأمثلة).
وقبل الانتقال الى حماية أبنائنا من العنف الجنسي ، دعوني اتحدث قليلاً عما يسمى ب " سياحة جنس " على مستوى دول العالم ، ثم انتقل الى عرض نتائج دراسة عن العنف الجنسي في سوريـا ، وهو الأهم بالنسبة لنا 0
يتبع