دعوة للمشاركة في دورة [معاً لحياة أسمى في ظل أسماء الله الحسنى]..

 
قديم 08-25-2006, 09:48 PM   #1
سورة يوسف والتربية الأسرية المشاكل والحلول

سورة يوسف والتربية الأسرية المشاكل والحلول

--------------------------------------------------------------------------------

سورة يوسف والتربية الأسرية المشاكل والحلول



عند قراءة سورة يوسف قراءة تربوية نستلهم النقاط التربوية العملية التالية تحقيقًا لقوله تعالى .

- في بداية السورة : ( لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين ) [يوسف / 7] .

- وفي نهايتها ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثًا يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدىً ورحمة لقومٍ يؤمنون )[يوسف/111] .

وهكذا تنسجم بداية السورة مع ختامها ، في أخذ العبر والعظات الاعتقادية والتربوية ، وإليكِ بعضًا منها :

1 - تسلية وتثبيت قلب سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المؤمنين ، الذي لم يكن يعرف عن يعقوب ويوسف شيئًا ، والمعروضتان في التوراة باللغة السريانية ، لذا جاء التأكيد بنزول القرآن عربيًا ، لإظهار معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بأنه يوحى إليه ، ولتعلم العرب قاطبة كيف تتنزل القصص الإيمانية بلغتهم ، مع عجزهم عن المحاكاة للقرآن .

الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ 1 إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 2 نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ 3

أخرج البخاري عن أبي هريرة قال : كان اهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل الله ) .
قال القرطبي في تفسيره : روي أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف فنزلت السورة ؛ وسيأتي تفصيلها .
وقال سعد بن أبي وقاص : أُنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانًا فقالوا : لو قصصت علينا ؛ فنزل : ( نحن نقص عليك ) ( يوسف / 3 ) فتلاه عليهم زمانًا فقالوا : لو حدثتنا ؛ فأنزل : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ 23. ( الزمر )

قال العلماء : وذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة ، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة ، وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها ، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر ، ولا على معارضة غير المتكرر ، والإعجاز لمن تأمل .

وبذلك يتعلم الطفل المسلم قصص الأنبياء والرسل الواقعية ، بعيدًا عن الخرافة والأساطير التي تعرض الآن في الرائي تحت مسمى ( أفلام كرتون ) ، ويكون الطفل المسلم الوحيد - من بين أطفال العالم - الذي يتعلم قصص الأنبياء والرسل بشكلها الصحيح والسليم ، فيتعلم منها الاعتقاد والسلوك الصحيح ، ويتهيأ منذ الصغر على مقاومة الباطل ، مستمدًا من صمود الأنبياء والرسل منارة يهتدي بها في حياته الطفلية والمستقبلية ، كما تتعلم الأسرة المسلمة كيف تصبر على مواجهة الأحداث .

2 - نلاحظ من بداية السورة قرب الأب من ولده الصغير بحيث يصل لدرجة قص الرؤيا على والده وهذا يدل على قوة العلاقة الاتصالية بين الصغير ووالده ، ثم نرى معرفة الأب لحسد إخوته الكبار ، لذا ينصح ابنه الصغير يوسف بعدم قص الرؤيا على إخوته الكبار : إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ 4

3 - ثم نرى نصح الأب لابنه الصغيرة بتوقع مستقبل النبوة له باصطفاء الله تعالى ، وتعليم الله له تأويل الرؤيا التي سيكون له شأن كبير فيها ، والتي ستكون سببًا لخروجه من سجن المستقبل ، والصغير لا يدري كل ذلك : وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 6

ومن هنا نرى كلما كان الأب قريبًا من ابنه ، حصلت بينهما علاقة قوية ، تمكن الأب من معرفة طبيعة ابنه ومواهبه ، وبالتالي تمكنه من رسم مستقبله بما يتوافق مع طبيعته ، فلا يتعثر في المستقبل . وهذا حصل أيضًا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث توقعت أمه وجده بأن له مستقبلاً رساليًا يقود فيه الأمة .

4 - ثم نرى حسد الإخوة الكبار لأخيهم الصغير المحبوب لقلب والده أكثر منهم ، وتواطئهم على التخلص منه ؛ باقتراحات مختلفة ؛ أعلاها القتل ، وأخفها الاستبعاد للصغير من وجه أبيه : إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ 8 اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ 9 قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ 10

ونستفيد من تلك الآيات ضرورة كتمان الأب حبه الزائد ، وتفضيله أحد الأبناء على الآخرين ، وأن يشعر جميع الأبناء بعدله واقعًا وحسًا ماديًا ومعنويًا ، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم والد النعمان بن بشير وهو يريد أن يشهده على وهبه لابنه بستانًا ، ولم يهب الآخرين فقال له : ( أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ؟ قال بلى ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فلا إذن ) رواه الشيخان

فرجع الأب عن تفضيله أحد أبنائه متبعًا الهدي النبوي ، فسلمت أسرته من الغيرة والحسد والعقوق ، وعلى الأب أن يبين لأبنائه أن أفضلهم عند الله أفضلهم لديه ، وأحبهم لقلبه ، تحقيقًا لقوله تعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ 13 ) الحجرات

5 - ثم نرى جلسة أسرية ظاهرها الرحمة وباطنها المكر والتخطيط لبرنامج الخطة في استبعاد الصغير من وجه أبيه ، ظنًا منهم أن يخلوا بأبيهم من بعده ، ونلحظ من التخطيط أنه محكم العرض ، منسجم لما يتناسب مع الصغير وهو الفسحة في البر واللعب الجماعي ، والحب الصادق في ظاهره ومن جميعهم : قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ 11 أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ 12

ومن هنا نرى أهمية لعب الصغير ، فهو المجال الذي يبني فيه جسمه ، ويمتع به روحه ، ويغذي به نفسه فهو خير كله ، وهو مطلب نبوي كذلك ، ليس أدل عليه من لعبه صلى الله عليه وسلم في صغره مع الأطفال ، وسماحه لأنس للعب مع أصدقائه ، وتسليمه على الأطفال وهم يلعبون ، ثم لتلعيبه سبطيه الحسن والحسين رضي الله عنهما أمام الناس وفي البيت .ونلاحظ أمرًا آخر يدعو للتأمل في الكلمة القرآنية وهي كلمة ( لا تأمنا ) التي فيها حكم الإشمام أثناء تلاوتها ، والإشمام ضم الفم عند النطق بالميم دون إظهار حركة الضم عند النطق ، فالتعبير القرآني يدل على اختلاس حركة الضمة ، وكأن النطق يدل على اختلاس الحقيقة في النفوس والتي لا يريد الأبناء إظهارها أمام والدهم ، والله أعلم .

6 - ثم نرى جواب الأب المناسب للعرض الخادع ، ونلاحظ الحوار الأسري يستمر في عرض الأحداث ، وتصويرها ، والحجج القوية من كل طرف : قَالَ ( إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ 13 قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ 14 ) ، وهكذا تم لهم ما أرادوه ، وانخدعوا بتدبيرهم وتخطيطهم ، ونسوا مراقبة الله لهم ، وهو الدرس الذي سيتعلمونه فيما بعد

ونستفيد كذلك ضرورة إنشاء الحوار بين الآباء والأبناء ، إذ هو السبيل لتنمية مهارات الأبناء ، كما ينشط الآباء في التفكير في مشاكل الأبناء وحلها ، وأن يدربهم على إقامة الدليل والبرهان ، وأن يتجاوب معهم لنتائج الحوار .
7 - ثم نرى أن يعقوب وقع فيما حذر منه ابنه الصغير يوسف بألا يحدث إخوته برؤياه فيكيدوا له كيدًا ، وذلك ليعلم المؤمن بأن عليه الأخذ بالحيطة ، ولكن قد يأتيه البلاء مما خاف منه ، وخطط لعدم الوقوع منه ، ليلجأ المؤمن في كل أحواله إلى الله ، وأن يسلم لقضائه .

8 - وبعد تمام مؤامرة الإخوة بإلقاء أخيهم الصغير في الجب للتخلص منه ، جاء النصر المبين من الله تعالى للصغير وهو في الجب ، انزل الله عليه الطمأنينة بالعودة إلى إخوته ، ومباشرة الوحي بالنزول على الصغير بأنه في رعاية الله تعالى ، وأن الله تعالى فوق كيد المعتدين حتى لو كانوا إخوته ، الذين نسوا الله في تلك اللحظات ، ونسوا يوم كشف حقيقة خداعهم لأبيهم وأخيهم : ( فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ 15 )

9 - ثم يبين القرآن الحجج الباطلة عبر دموع التماسيح الكاذبة ، والأدلة المادية المزيفة ، وأمام كل الحجج التي ظاهرها الحق وباطنها الباطل ، نرى موقف النبي يعقوب ، وهو الدرس الأول المستفاد لكل مؤمن ، فيأتي جوابه بالتوكل على الله والاستعانة به على كل تلك الحجج الباطلة : ( وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ 16 قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ 17 وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ 18.)

ونرى أن الحجج الباطلة ابتدأت مما حذر منه الأب أبناءه ، وذلك حتى يصدقهم أبوهم ، لذلك أحسوا أن حجتهم العقلية ضعيفة : ( وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ) فأتبعوه بالدليل المادي القميص المضرج بدماء الكذب ، ونلحظ أن الأب أحس بمكر أولاده ، وإن الأمر كان خطة مبيتة من أولاده : ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ) ثم يبين أن الأمر يحتاج للصبر الجميل لمواجهة حدث قتل ابنه ، ويظهر أن الله قادر على كشف الحقيقة

وهنا يعلمنا القرآن كيفية مواجهة الأحداث الأسرية والعامة برفع شعار : (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 83 ) وبذلك تزداد نفس المؤمن قوةً على مواجهة الكرب والحزن والتآمر على العباد ، وضرورة ابتعاد الآباء عن إظهار عنتريات فارغة ، أو تسويفات كلامية ، أو خطب رنانة ، أو تسويد مقالات مهترئة ، فيكشف القرآن منهجاً جديدًا ألا وهو تفويض كشف الحقيقة لله تعالى ، والصبر الجميل بلا ضجر ولا ملل ولا سآمة ، أو إظهار الاستياء من قدر الله تعالى ، لذا يأتي شعار ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) ذكرًا يردده المؤمن صغيرًا وكبيرًا ، في حياته اليومية في كل آن ، كلما عرض له عارض أو طارىء .

10 - ثم ترينا الآيات رعاية الله تعالى للصغير المرمي في الجب بيد إخوته ، لا بيد أعدائه ، وترينا الآيات دقائق تفصيلية من قدرة ورحمة الله تعالى ، وتمكينه لعبده ، وأنه في الرعاية الإلهية في كل آن ، وهو هدف إيماني من إيراد القصص القرآني ، كيف يربي القرآن المؤمن بالقصة الواقعية العملية : ( وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بُشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون * وشروه بثمنٍ بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ، وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا * وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا ، وكذلك نجزي المحسنين )[يوسف/19 ـ 20] .

إنه درس إيماني برعاية الله لكل خطوة ، وأن أكثر الناس غافلون عن قدرة وعلم ومشيئة الله تعالى ، فهم أرادوا أمرًا ، والله تعالى أراد غيره ، ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعملون ) .

11- ثم يذكر القرآن فتنة الشاب المراهق الجميل ، في أعنف مشهد يحصل لشاب وسيم ، أُوتي شطر الحسن ، خلوق بريء ، أمين طاهر عفيف ، فينجيه الله من ذلك المكر ، بأعجوبة دقيقة خفيت على كثير من الناس ، وذلك بفضل لجوئه إلى الله واستنجاده به بقوله : (معاذ الله ) : ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همَّت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين )[يوسف/23 ، 24] ، وأتت كلمة ( هيت ) ومخارج حروفها بدءًا من الهاء ومخرجها من الجوف مرورًا بوسط الحلق بالياء ثم الثنايا بالتاء ، ليدل على مدى تمكن حبها منه . ولكن المؤمن لا يخون الله ولا رسوله ولا من ائتمنه على عرضه ، وآواه في بيته . ولقد هم بدفعها عنه ، فرأى برهان ربه : لو أنه دفعها فسوف يستخدم دفعه لها حتى تبتعد عنه من جهة صدرها سيكون دليلاً ضده بأنه هو البادىء ، فلجأ إلى الهروب ، مما أدى لأنت تلقي القبض عليه من قميصه من الخلف ، فيكون ذلك دليل تبرئته من التهمة .

( واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاءُ من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يُسجن أو عذاب أليم * قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قُد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قُد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قُد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين )[يوسف/25 ـ 29] ، ثم ينكشف الأمر في المجتمع ، الذي يتتبع عورات الناس وبخاصة الأسر الحاكمة ، الأمر الذي يدعو كل أسرة إلى الاهتمام بتربية نفسها كبارًا وصغارًا ، وأن وقع الفضيحة ألم وعذاب كبير ، فأعدت امرأة العزيز خطة في استدراج تلك النسوة اللاتي تكلمن عنها ، وكن من طبقتها : ( فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ 31 قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ 32

وبعد أن سمع الفتى ذلك التهديد والوعيد ، إذ كان بامرأة العزيز وحدها ؛ فإذا بالمؤامرة تزداد من تلك النساء جميعًا ، فلا يزداد الشاب المؤمن إلا ثباتًا ، ويلجأ إلى الله في أن يعصمه الله من مكرهن ، وطلب من الله أخف الضررين ، وتأتي استجابة الدعاء مباشرة لعبده المضطر يوسف ـ عليه السلام ـ ، بحرف الفاء الذي يفيد السرعة والمباشرة فورًا : ( فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن )[يوسف/34] : ( قال ربِ السجن أحبُ إليّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم )[يوسف/33 ، 34] ، ثم نرى أن مجلس العزيز بدأ يفكر في الأمر لكي يتدارك ألم الفضيحة بين الناس ، فوجد بعد المداولة : ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين )[يوسف/35] ، فترينا الآيات أن علاج شغف الحب يكون بالإبعاد بين المتحابين ؛ واليأس من حصول الزواج بينهما

12 - ثم تبين الآيات التربية السجينة للداعية ، وتبين الدعوة إلى الله وعبادته التي خلق الإنسان من أجلها فهي معه أينما ذهب وأينما حل وارتحل ، سفرًا وحضرًا ، سجنًا وحرية ، صحة ومرضًا ، غنى وفقرًا ، وفي كل أحوال المؤمن الزمانية والمكانية يستمر بالدعوة إلى الله ، وما الدعوة إلى الله تعالى إلا دعوة المجتمع والأسر والأفراد ، إلى التربية الصحيحة بعبادة الله وحده ، والاستقامة على منهج الله تعالى وتشريعه ، فيتنظف المجتمع من أدران المخدرات ، والايدز ، ويتخلص المجتمع من حقد المرابين مصاصي دماء الشعوب ، وآكلي ثمرات جهودهم ، ويتطهر المجتمع والأسرة من أكل أموال بعضهم بعضًا بالباطل .

هكذا يعلمنا القرآن عبر قصة يوسف موقفه في السجن : ( ودخل معه السجن فتيان قال احدهما إني أراني أعصر خمرًا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين * قال لا يأتيكما طعامٌ ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون * يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنت وآباؤكم ما انزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ، ذلك الدين القيم ولكن أكثر لا يعلمون * يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ، قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان )[يوسف/36 ـ 41] ، وهكذا عرض يوسف السجين لزملائه في السجن دليل الوحدانية لله تعالى ، وسبق ذلك إظهار نبوءته لهم بنوعية الطعام الذي يأتيهما ، كما قام على خدمتهم بتفسير منامهما وحلمهما ، ويعطي لهما رأيه بكل يقين ، وأن تفسير المنام هو فتوى ، لا يجوز دفعها إلا من المفتي العالم بها .
وبذلك يتعلم الولد أن الثبات على الإيمان قد يدفع ثمنه من فترات حياته ، فيقضيها في السجن في سبيل الله تعالى ، فلا يتذمر لقضاء الله تعالى ، ويستمر في دعوته لله رب العالمين ، ويرى في سجن سيدنا يوسف وسيدنا محمد وأصحابه المؤمنين الصغار والكبار في شعب مكة ثلاث سنين قدوة حسنة .
13 - ثم تأتي قصة رؤيا الملك ، وتبدأ قصة يوسف بالعد التنازلي من البلاء ، ونرى من بداية السورة ووسطها ونهايتها التركيز على علم تفسير الرؤيا ، وأنه وهبي من الله لا كسبي من الإنسان ، وذلك فضل من الله تعالى يعطيه من شاء من عباده .
ففي أولها : ( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمَّها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم )[يوسف/6] .

وفي وسطها : ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث )[يوسف/21] .

وفي نهايتها : ( رب قد آتيتني من الملك وعلّمتني من تأويل الأحاديث )[يوسف/101] فلنستعرض رؤيا الملك ، وكيف انكشف خطأ امرأة العزيز في الوقت الذي أراده الله أن يظهر : ( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ 43 قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ 44 وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ 45 يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ 46 قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ 47 ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ 48 ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ 49 وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ 50 قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ 51 ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ 52


وهكذا يفسر يوسف رؤيا الملك تفسيرًا اقتصاديـًا ، ويعلِّمنا أن نعمة الله قد تتقدم البلاء أو العجز الاقتصادي ، فعلى الدولة والمجتمع والأسرة والفرد أن يتعلم أن ما يرده من نعمة مالية أو غيرها قد تكون لتشمل ما يتأخر من أحداث ، فالإدارة الاقتصادية للدولة والمجتمع والأسرة والفرد مطلوب ، حتى لا يقع العجز الاقتصادي الذي لا يبقي ولا يذر ، ومن هنا وجب على الأسرة أن تربي أفرادها على الإدارة الاقتصادية ، مصداقـًا لقول عمر " اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم " .

كما ندرك أهمية تعبير الرؤيا للصغير والكبير ، والحاكم والمحكوم ، وكما ورد أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ، وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يلتفت إلى أصحابه بعد صلاة فجر كل يوم فيسأله أصحابه عن رؤياهم ليفسرها لهم ، حتى أفرد البخاري وغيره باب تعبير الرؤيا ، مما يدل على أهمية الاعتناء بهذا العلم .
بنت سكر غير متصل  
 


افراحى موضة عالم من الجمال


 
قديم 08-26-2006, 04:52 PM   #2
 
الصورة الرمزية قمرهم كلهم





معلومات إضافية
  البوم الصور : عرض البوم صور قمرهم كلهم
  النقاط : 10
  المستوى : قمرهم كلهم متميز دائما
  الحالة :قمرهم كلهم غير متصل
My SMS
من مواضيعها
المستوى :
HP: /
MP: /
EXP: %
مشكوره والله يعطيك الف عاااافيه
قمرهم كلهم غير متصل  
 
 
قديم 08-27-2006, 08:22 AM   #3
 
الصورة الرمزية ~ ريم ~






معلومات إضافية
  البوم الصور : عرض البوم صور ~ ريم ~
  النقاط : 10
  المستوى : ~ ريم ~ متميز دائما
  الحالة :~ ريم ~ غير متصل
My MMS
مزاج العضوة
My SMS
يارب ان ضاقت قلوب الناس عن ما فيا من خير فعفوك لايضيق....
من مواضيعها
المستوى :
HP: /
MP: /
EXP: %
يعطيك الف عافيه حبيبتي سكوره
ودمتي بخير....
~ ريم ~ غير متصل  
 
 
قديم 08-27-2006, 10:23 AM   #4
 
الصورة الرمزية مشكلتي حلوه
جزاااك الله الف خير

سووكره

تحياااتيـ
مشكلتي حلوه غير متصل  
 
 
قديم 08-27-2006, 01:41 PM   #5
ام عزوزي
روح النادي ونبضه
 
الصورة الرمزية ام عزوزي






معلومات إضافية
  البوم الصور : عرض البوم صور ام عزوزي
  النقاط : 10
  المستوى : ام عزوزي متميز دائما
  الحالة :ام عزوزي غير متصل
My MMS
مزاج العضوة
My SMS
احبكم في الله
من مواضيعها
المستوى :
HP: /
MP: /
EXP: %
جزاك الله خيرا
ام عزوزي غير متصل  
 
 
قديم 08-27-2006, 05:09 PM   #6
بشرى
نسيمٌ يحكي رونق الحضور
 
الصورة الرمزية بشرى







معلومات إضافية
  البوم الصور : عرض البوم صور بشرى
  النقاط : 10
  المستوى : بشرى متميز دائما
  الحالة :بشرى غير متصل
My MMS
مزاج العضوة
My SMS
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعزيز سلطانك
اوسمتي
من مواضيعها
المستوى :
HP: /
MP: /
EXP: %
جزاك الله خيرا

اوسمتي

بشرى غير متصل  
 
 
قديم 08-27-2006, 08:03 PM   #7
جزاك الله الف خير
وحده مو ثنتين غير متصل  
 
 
قديم 08-28-2006, 02:28 AM   #8
 
الصورة الرمزية تعبت اشكي
مشكورة الغاليه




يعطيك العافيه
تعبت اشكي غير متصل  
 
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المكتبة الأسرية لنسمو المفتوح 27 05-23-2008 08:05 PM
ملف النظافه والترتيب بشرى تجارب منزلية 13 05-24-2007 07:50 AM
سورة يوسف : بصوت : مشاري العفاسي لين القلوب القرآن الكريم المحاضرات 6 10-19-2006 01:42 PM
البدانة في السعودية ،، السبب والحلول منال نادي التغذية والرشاقه 1 07-27-2006 08:58 AM
علاج الإجهاد والخمول راجية الجنة نادي الصحة العامة 1 06-23-2006 04:23 PM


الساعة الآن 09:09 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.3.2